إسلاميات

أئمة المساجد والخطباء وضرورة توافق القول والعمل

{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } سورة البقرة الآية 44

حين يقف خطيب الجمعة أمام الناس متحدثا فهو يذكرهم ويعظهم، ويدلهم على ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، ويحذرهم مما يضرهم فيهما، والأصل أنه لا يبتغي من وراء ذلك جزاء دنيويا، ولا شكورا من الناس، إن هو إلا مصلح يرتسم خطى المرسلين عليهم السلام في دعواتهم، ويتأسى بالنبي  صلى الله عليه وسلم  في دعوته، ويقتبس هدي الصالحين من هذه الأمة سلفها وخلفها في أقوالهم وأفعالهم وسمتهم.

ولما كانت الحكمة من مشروعية الخطبة نفع الناس بها كان الأولى أن ينتفع الخطيب بما ألقاه على الناس قبل أن يلقيه؛ لعلمه به وقناعته بمضمونه؛ فإنه ما نصح به الناس إلا وفيه خير لهم، وهو أولى بهذا الخير من غيره.

ولكن النفس البشرية مطبوعة على الظلم والجهل إلا أن يتعاهدها صاحبها بالإيمان والتقوى والتوبة والاستغفار، ودليل ذلك كثرة ما يقع ممن يتصدرون للكلام في شؤون الناس الدينية والدنيوية من مخالفة أفعالهم أقوالَهم، وليس ذلك حكرا على الخطباء والدعاة والعلماء فحسب، بل حتى أهل السياسة والاقتصاد والطب والفكر والإعلام وغيرهم يكثر فيهم مخالفة أقوالِهم أفعالَهم؛ فيوصون الناس بأشياء لا يفعلونها هم، ويحذرونهم من أشياء يقعون هم فيها، ولكن هؤلاء لا يؤاخذهم الناس كما يؤاخذون أهل العلم والدعوة والخطابة، ولا يثربون عليهم مثلهم؛ لأن الناس وضعوا أهل العلم والدعوة والخطابة قدوة لهم – وهذا حق وشرف ومسؤولية- فكانت مخالفة العالم أو الداعية أو الخطيب أقوالهم أفعالهم أشد على الناس من مخالفة غيرهم؛ ولهذا فإنه يجب على العالم والداعية والخطيب أن يراعوا هذه الخصوصية لهم، ويحافظوا على هذه المنزلة التي بوأهم الله تعالى إياها، ويحفظوا مكانتهم في قلوب الناس بإتباع العلم العمل، وعدم مخالفة القول الفعل؛ ليصدر الناس عنهم، ويقبل الناس منهم، ويكون لخطابهم وقع في القلوب، وتأثير في النفوس.

 

ذم مخالفة القول الفعل

 

تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على ذم مخالفة قول الإنسان عمله؛ لأن ذلك نوع من الكذب، ويدل على ضعف الإيمان، وهو طريق إلى النفاق نعوذ بالله تعالى من ذلك، والنصوص الواردة في ذلك على أنواع:

النوع الأول: نصوص تثبت أن الأنبياء عليهم السلام – وهم رؤوس المصلحين وأئمة الدعاة والخطباء- توافق أقولهم أفعالهم، حتى إن المكذبين بهم من أقوامهم لم يرموهم بمخالفة أفعالهم أقوالهم مع حاجتهم لمثل هذه التهمة في صرف الناس عن الدعوة، لكنهم لم يفعلوا ذلك؛ لعلمهم أن الناس لا يصدقونهم؛ لأنه من الكذب الظاهر.

ومن الأنبياء من صرح بذلك كما فعل شعيب عليه السلام حين وعظ قومه، فبين لهم أنه أول من يمتثل ما يدعوهم إليه حين حكى الله تعالى عنه أنه قال [وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ] {هود:88}. فموافقة القول العمل فيها تأسٍ بالأنبياء عليهم السلام.

النوع الثاني: نصوص تفيد أن الله تعالى قد ذم بني إسرائيل على عدم إتباع العلم العمل  فقال سبحانه [أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ] {البقرة:44}. فإنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وهم يعصونه، فعيرهم الله تعالى.

النوع الثالث: نصوص تثبت الوعيد الشديد المتنوع في مخالفة الإنسان قوله فعله:

1-  فصاحبه متوعد بمقت الله تعالى، كما في قوله سبحانه [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ] {الصَّف:2-3}.

2- ومتوعد بالعذاب في النار كما في قول الله تعالى [فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ] {المدَّثر:49-51}

قال الشنقيطي رحمه الله تعالى:«فيجب على المذكِر ـ بالكسر- والمذكَر -بالفتح- أن يعملا بمقتضى التذكرة وأن يتحفظا عن عدم المبالاة بها؛ لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم».

3- وعذابه في النار يكون بطريقة بشعة منفرة جاء تصويرها في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي  صلى الله عليه وسلم  قال:«يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ، مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ».

النوع الرابع: أن الخطباء جاء فيهم وعيد خاص إذا خالفت خطبهم أفعالهم كما في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله  صلى الله عليه وسلم  قَالَ:«رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ ، قُلْتُ : مَنْ هَؤُلاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ : هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا يَعْقِلُونَ».

وعلى الخطيب أن يجاهد نفسه على ما يلي:

1- خشية الله تعالى بالغيب؛ فإن الخطيب مذكر بكلام الله تعالى وكلام رسوله  صلى الله عليه وسلم ، فأولى أن يكون أول متعظ به، وقد خاطب الله تعالى نبيه محمداً  صلى الله عليه وسلم  فقال سبحانه [إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ] {يس:11}.

2- الحذر من معاصي السر، والإصرار عليها، فإنها سلم يهبط بالعبد إلى نفق النفاق المظلم، وهي سبب لذهاب الحسنات؛ كما في حديث ثَوْبَانَ رضي الله عنه عن النبي   صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال:«لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا من أُمَّتِي يَأْتُونَ يوم الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا الله عز وجل هَبَاءً مَنْثُورًا قال ثَوْبَانُ يا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لنا جَلِّهِمْ لنا أَنْ لَا نَكُونَ منهم وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قال أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ من اللَّيْلِ كما تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إذا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا»

3- اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء والإخبات والاستغفار، وسؤاله الثبات على الدين، مع الخوف الشديد من عاقبة ذنبه.

4- الإكثار من الأعمال الصالحة المكفرة قال الله تعالى [وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ] {هود:114}

5- وعلى الخطيب أن يحذر من كثرة مخالفة فعله لقوله، وتعدد ذنوبه، وإصراره عليها، واستهانته بها؛ لئلا يقع في النفاق، أو يرديه الشيطان إلى الانتكاس.

إبراهيم بن محمد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق