إسلاميات

أثر القدوة وأهميتها في الدعوة إلى الله

قال تعال: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهَْ ) سورة الأنعام الآية 90

أسلوب القدوة هو من الأساليب الدعوية الناجحة، حيث يتمثل الداعية أمام ناظري المدعو صورة حية، ونموذجا صادقا، وتطبيقا واقعيا، للأفكار والمبادئ التي يدعو لها الداعية، فإنه مهما عمل الداعية على توضيح منهج الإسلام المتكامل، أو رسم صورة مثالية للمسلم، فإن ذلك لن يحقق ذات النتائج ، ولن يغني عن وجود واقع حقيقي يمثله إنسان صادق، يحقق بعمله وسلوكه هذه الصورة.

والقدوة الحسنة لها أثر بعيد المدى في نفوس المدعوين، لأنها عرض للنماذج البشرية الصالحة التي يراد محاكاتها والاقتداء بها، وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقتدي برسله الذين تقدموه فقال تعالى }أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ{ [الأنعام: 90]، كما جعله مثلا أعلى للمسلمين، وهو رسول الله الذي جمع ما تفرق في غيره من خصال الخير كلها، فقال تعالى } لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا { [الأحزاب: 21].
وقد تكون القدوة مثالا حسيا مشاهدا ملموسا يقتدى به، كما أنها قد تكون مثالا حاضرا في الذهن بأخباره وسيرته ، وصورة مرتسمة في النفس بما أُثر عنه من أقوال وأفعال.
ومقتضيات نجاح أسلوب القدوة حسن الخلق، تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ونتيجة لتطلعه إلى مرتبة الكمال التي بلغها عليه الصلاة ولسلام من الكمال الأخلاقي، فيكون الداعية قدوة أخلاقية متجسدة، صالحة للاقتداء بها.
وأصول السيرة الحسنة التي بها يكون الداعي المسلم قدوة طيبة لغيره ، ترجع إلى أصلين كبيرين: حسن الخلق، وموافقة القول العمل، فإذا تحقق هذان الأصلان، حسنت سيرة الداعي، وكانت سيرته الطيبة دعوة صامتة للإسلام، وإن فاته هذان الأصلان أو أحدهما، ساءت سيرته، وصارت دعوة صامتة منفرة عن الإسلام.
و موافقة قول الداعية عمله: بأن تكون الدعوة بلسان حال الداعية ، وممن يقتدى بهم في ذلك، نبي الله شعيب عليه السلام القائل فيما يحكيه عنه تعالى: } وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ { [هود: 88] .
وتطبيق الداعية لهذا الشرط من دواعي قبول ما يدعو إليه، وتصديق أقواله، وترسيخها في قلوب المدعوين، فإن من خالف فعله قوله، فإن ذلك تكذيب لقوله، وعائد إليه بالإبطال، كما أنه منفر للناس من دعوته والانتفاع بكلامه.
قال الإمام الشاطبي رحمه الله:( إن المفتي إذا أمر بالصمت – مثلاً – عما لا يعني، فإن كان صامتاً عما لا يعني، ففتواه صادقة، وإن كان من الخائضين فيما لا يعني، فهي غير صادقة… وإن دلك على المحافظة على الصلاة وكان محافظا عليها، صدقت فتواه… ومثلها النواهي، فإذا نهى عن النظر إلى الأجنبيات والنساء، وكان في نفسه منتهيا عنها، فهو الصادق الفتيا، والذي يقتدى بقوله ويقتدى بفعله، وإلا فلا، لأن علامة صدق القول مطابقة العمل، بل هو الصدق في الحقيقة عند العلماء، ولذلك قال تعالى } رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ{ [الأحزاب: 23] وحسب الناظر في ذلك سيد البشر صلى الله عليه وسلم… حيث كانت أفعاله مع أقواله على الوفاء والتمام).
وتهاون الداعية بهذا الأمر مما ينفر المدعوين ويصدهم عن الإتباع، أو على أقل افتراض استهانتهم بما يدعو إليه، أو التقليل من شأنه، وعدم أخذه بالجدية المناسبة.
عما يخدش القدوة أو يجرحها: بأن يبتعد الداعية ما استطاع عن مواطن الزلل بالقول أو بالفعل، لأن أعين الناس معقودة عليه، وخطواته محسوبة ومراقبة ممن يدعوهم، فمرتبة الدعوة إلى الله تقتضي من صاحبها أن يلاحظ أفعاله من حيث أنه قدوة منظور إليها، ومتأس بها، فلا يسترسل كما قد يسترسل غيره ممن لا يقتدى بهم، بل يزن أفعاله دائما بميزان الشرع، ويحاسب نفسه على كل كلمة وتصرف، حتى يكون على مستوى القدوة.
وهذا ما كان يلحظه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يتجنب مواضع التهم، ولا يفعل شيئا يتضمن نقص مروءة، أو ما يستنكر ظاهرا، وإن كان جائزا باطنا، فإنه يعرض نفسه للتهمة، ويعرض عرضه للوقيعة، ويوقع الناس في الظنون المكروهة.
ومن ذلك كراهيته صلى الله عليه وسلم للإشارة بالخفاء إلى قتل ابن أبي السرح رضي الله عنه ثم تعليل فعله للصحابة بقوله: ((ما كان لنبي أن يكون له خائنة الأعين)).
الحرص على إعلان تطبيق شرائع الإسلام أمام الناس ليقتدوا به ويتعلموا منه، وكثيرا ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعمل العمل في الأماكن البارزة ليسترعي التفات الناس إليه، كما فعل حين أفطر وهو في طريقه إلى مكة، كما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنهم لما خرجوا إلى مكة، قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر).
وقد كان لاقتداء الأمة الإسلامية بنبيها صلى الله عليه وسلم، في عصر الصحابة ومن بعدهم، وتأثرها بشخصيته وأخلاقه الكريمة، دافعا كبيرا لها على الاستقامة على أمر الدين، ولم تزل سيرته تمثل للناس أنبل الصفات والأعمال والأخلاق، ولا تزال تجسم المثل والمبادئ الإسلامية أمام أنظارها، فهي قدوة متجددة مع مرور الأجيال، وكلما قرأ المسلم سيرته ازداد حبا له واقتداء به، ولكنه صلى الله عليه وسلم يظل مثلا أعلى فوق الإنسان، يسعى إليه بكل طموح، رغم أنه سيبقى دونه، ليظل يتوجه بطاقته نحو أهداف خيرة متجددة ويبقى باعث حب الاقتداء به دافعا إلى الاستقامة على هديه وسنته صلى الله عليه وسلم.

د.هند شريفي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق