العمود

أخطأ بدوي فأصاب

وجب الكلام

تعود الكثير من الجزائريين على تحويل كلام المسؤولين وتصريحاتهم إلى وجبات دسمة على مواقع التواصل الاجتماعي وكذا على جعلها مواضيع ساخرة يتم اجترارها على مدار أيام حتى بات أغلب المسؤولين تحت مجهر “الفايسبوكيين” يترقبون كل زلة منهم، فبعد وزير التعليم العالي والبحث العلمي ووزير الصحة وغيرهما من أصحاب المعالي أتى الدور هذه المرة على وزير الداخلية والجماعات المحلية نور الدين بدوي، حيث أنه وعند الحديث عن الهجرة غير الشرعية قال أن “مواقع التواصل الاجتماعي وأغاني الملاعب هي سبب الهجرة غير الشرعية”، قال هذا ولم يعلم أنه سيتحول هو الآخر إلى موضوع الساعة على مواقع التواصل الاجتماعي ويتسبب في إثارة السخرية بغير قصد.
أرى أن وزير الداخلية هذه المرة لم يخطئ في “القصد” ولم تكن فكرته خاطئة بل إني أراها شخصيا مبنية على نظرة واقعية من طرف الوزير أو من طرف من أوحى له على الأقل، إلا أنه لم يوفق في التعبير، فقد كان الأجدر به قول أن مواقع التواصل الاجتماعي والأغاني قد ساهمت بشكل كبير في تفشي ظاهرة الحرقة، لأن الأسباب كانت موجودة ربما قبل تأسيس الفايسبوك وغيره من المواقع، والأسباب موجودة منذ مدة طويلة وهي من أدت إلى ظهور الحرقة وأغاني الملاعب معا، لهذا فحتى وإن أصبح تصريح وزير الداخلية موضوع الساعة ومثيرا للسخرية إلا أنه واقعي لدرجة كبيرة، فمواقع التواصل الاجتماعي قد ساهمت بشكل كبير في نشر الإحباط والتشاؤم في أوساط الشباب بغض النظر عن وجود الأسباب فعلا، فمواقع التواصل الاجتماعي هي من تنشر خطابات التيئيس وهي من تنشر مقاطع فيديو للحراقة عند مغادرتهم أرض الوطن وحين وصولهم إلى ديار الغربة، وقد قلنا في موضوع سابق بأن وسائل الإعلام هي من تتسبب بتسليط الضوء على مختلف الظواهر في تنميتها وفي انتشارها، خاصة إذا علمنا أن الكثير من الجزائريين منساقون وراء “العاطفة” وخلف “حب الرفاهية” التي تصورها لهم وسائل الإعلام المختلفة من خلال مختلف أساليب الإغراء التي قد تدفع بالابن إلى التخلي عن “والديه” فكيف إذا تعلق الأمر “بوطن”؟
هذا ولابد من التذكير بأننا قد تطرقنا إلى أن الحرقة في كثير من الأحيان وقلنا أنها لم تعد “هروبا” بقدر ما هي تهريب، ولا شك أن الفرق واضح بين المصطلحين، وعندما يتضح الفرق سيتضح أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي هي أكبر فضاء يمكن الاستثمار فيه من أجل جعل كثير من الشباب سلعة جاهزة للتهريب من خلال خطابات التيئيس وتصوير الوطن على أنه سجن لا أمل فيه سوى في التنفس، لهذا فقد نعذر وزير الداخلية هذه المرة شرط أن يسحب كلمة “الأسباب” وينسبها إلى القطاعات الفاشلة في احتواء الشباب الجزائري وامتصاص غضبهم، ويكتفي بقول أن المواقع والأغاني هي وسائل مساعدة على انتشار الظواهر السلبية في المجتمع، وإن أردنا فعلا القضاء على الظواهر السلبية فإننا نبحث عن الأسباب الحقيقية ونحاربها بجدية، ولتحقيق ذلك علينا ألا “نغطي الشمس بالغربال” ونحول الوسائل المساعدة على الانتشار إلى أسباب ومسببات.

حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق