العمود

أخْلقة التعليم؟!

ينادي بعض الدعاة إلى ترقية المنظومة التربوية الجزائرية بإضافة “مادة الأخلاق” سعيا نحو ترقية المجتمع والرقي به نحو مصاف “كوننا مسلمين”، ونحن أولى بصدارة الأمم من هذا الجانب الذي تزعزع كليا بفعل عادات التخلي عن كل أصيل وتبني ما هو دخيل من حضارات جوفاء تُميّع الفطرة الإنسانية السليمة وتجردها من طهرها ونقائها.. وبقدر ما كانت هذه الدعوة هادفة وتحمل الكثير من نوايا التغيير والبناء إلا أن الأخلاق في الحقيقة لا تحتاج إلى مادة إجبارية التلقين تكلل باختبار لمدى استيعاب الطلاب لها وسرعان ما تنتهي عند هذا الحد كغيرها من المواد المقررة.

فالأخلاق بالذات لتستقر في قلوب أبنائنا منذ الصغر وتترجم أفعالا تحتاج إلى القدوة والمثال الحي أينما اتجه الطفل وتوجه.. في محيطه الضيق الأسري وفي مدرسته وفي مجتمعه الواسع فلا يمكن فصل هذا عن ذاك ولا يمكن أن نطالب الطفل بتهذيب أخلاقه ونحن في المقابل نقدم أسوأ التصرفات والأمثلة أمامه..

وحيث أن الأسرة الجزائرية عموما تفتقر إلى كثير من آليات التعامل مع الطفل وأساليب التربية فإن الاعتماد الكلي يتوجه نحو المدرسة ليُلقى على عاتق المعلم أو المربي ثقل المسؤولية والأمانة وعليه تحديدا أن يكون بمستوى عالي من الأخلاق وحرص شديد على كل تصرفاته وأقواله وحتى هندامه حتى لا يحدث ذاك التناقض المفضي إلى اهتزاز كبير في شخصية الطفل.

فلا يمكن أن نطالب أبناءنا بالنظافة في حين لا يمكنه قضاء حاجته في مراحيض مدرسته “القذرة” دائما حيث يصبح درس النظافة المقرر مجرد تنظير لا يتجاوز صفحات الكتاب وشفاه المعلم، ولا يستطيع أحد إنكار ما تسببه تلك الأجواء غير الصحية في نفسية الطفل وجسده ناهيك عن الأثر السلبي لعدم مصداقية معلمه أو معلمته.. وأتساءل دائما لماذا يضيق أفق الأسرة التربوية فلا يبادرون إلى حملات تنظيف دورية، ولماذا تلك الصورة اليومية “المؤسفة” لدورات المياه ولماذا لا يتم إجبار عمال النظافة على أداء عملهم كما ينبغي له حيث تصبح الأخلاق واقعا.. ولماذا يحابي المعلم على مسمع ومرأى من تلامذته أبناء زملاءه أو معارفه ما يخلق جوا من البغضاء في أنفسهم مقابل درس “مفرغ” من محتواه عن المساواة.. فالأخلاق لا يمكن تقزيمها في مقرر عابر ودروس يناقضها الواقع.. وليس علينا أن نضرب مثلا بمدارس اليابان التي لا تناقض مجتمعها بقدر ما تدعمه بل علينا أولا أن نتبنى قضية الأخلاق فعلا ونترجمها فعلا ويكفينا مظاهر كاذبة سرقت ما يكفي منا وما زالت تسرق.

سماح خميلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق