استطلاعات

أطباء يعالجون الجميع فعلا والأهل قولا

بينما ينفي أصحاب البدلة البيضاء ما يقع على أرض الواقع

لا شك أن أي عائلة تملك وسط أفرادها طبيبا أو طبيبة، لا تسعها الدنيا فخرا وانتظارا لموعد بدئه بالعمل في الميدان، كون الطبيب ومنذ القدم، يحمل إمتيازات وإعتبارات فخرية وتقديرية عالية وسط أبناء المجتمع، قد تصل ببعض العائلات خاصة فيما مضى إلى التمييز ومحاباة الإبن الذي يدرس تخصص الطب مقارنة مع بقية إخوته، وهو التخصص المرغوب والمحبذ بين أوساط المجتمع الجزائري، أين وقبل أن يبدأ الطفل في “معرفة صلاحو” يبدأ الأولياء في تهيئته لأن يصبح طبيبا أو جراحا حتى وإن لم يرغب في ذلك، وقد تبلغ درجة الأمر لدى العديدين، إلى عدم قبول أي رفض أو محاولة للإمتعاض أو التهرب.

 

لكن تجري الرياح بما لا تشتهيه الكثير من الأسر، أين وعند بداية محبوب العائلة بمزاولة مهنة الطب ليتنفس أهله الصعداء، فخرا وسط أقاربهم و”تغزيلا” للأهل قبل الأعداء، يتفاجأ هؤلاء بخرجات من كان يعول عليهم في إقتناص الداء حتى من دون التكلم أو وصف العلل والآلام، بعدم تفاعل هؤلاء الأطباء معهم وتفادي الإشراف على فحصهم ومعالجتهم، ليسبحوا بذلك عكس التيار المرسوم لهم، ويتحولون لخير مجسد لمقولة “عسل مع البراني وبصل مع خلاني”.

 

أولياء يتفهمون رغم الإستياء

وإن كانت هذه الظاهرة غير عامة، إلا أنها تمس شريحة كبيرة من أصحاب المهنة النبيلة، ما يجعله أمرا غير متحكم به، وهو ما يثبته العديد من الأولياء، فيما صرحوا به.

“كلما إحتجت فحصا إلا ورددَت مقولتها الشهيرة وسطنا: لازمك تروحي للطبيب، وكأنها هي من ميدان آخر ودرست تخصصا آخر غير الطب”، هكذا كان رد السيدة فطيمة التي تحدثت بنبرة جمعت بين الحسرة والفخر عن إجابات إبنتها الطبيبة، التي كانت تعول عليها في أن تكون بلسما لآلامها وعائلتها، غير أن حقيقة الواقع جاءت عكس طموحاتها، لتستطرد معقبة عن ابنتها أنها “لا تحب الثرثرة كثيرا، وبمجرد أن نبدأ بوصف ما نعاني منه لها، إلا وتقاطعنا بما قد نكون مصابين به، لتنصحنا بأدوية بسيطة وأغلبها طبيعية” لتختم قولها لنا بأنه “إن لم تشفوا فعليكم بزيارة الطبيب.. إبنتي عملية لكنها طيبة”، وهو نفس الأمر الذي أكدته لنا السيدة نورة، إلا أنها قالت أن إبنتها الطبيبة “رغم عدم مواجهتها مشكلا في فحص الأهل باعتبارهم مرضى كغيرهم، إلا أنها تتجنب معالجتنا نحن والديها وإخوتها”، وهو الأمر الذي أزعجهم في البداية، إلا أنهم تأقلموا مع الوضع، “فهي رغم أنها لا تشرف على معالجتنا؛ إلا أنها لا تتوانى في مرافقتنا، وتقديم النصح في الجانب الطبي على مدار يومياتنا… إبنتي قلبها رهيف وتهاب بزاف”.

 

أطباء ينفون الأمر ويؤكدون بأنهم في الخدمة رغم الرهبة

رغم ما سبق سرده، إلا أن مشرط الظاهرة التي تتحكم بالأمر لا يمر على الجميع، فليس كل طبيب يتفادى معالجة الأهل بِحثّهِم على زيارة آخر “روح للطبيب”، وكأنه لم يدرس نفس التخصص أو يمارس المهنة قط، كما أنه لا يمكن أن يقوم الجميع بالمهمة على نبالتها و”بْسالتها” بالنسبة لأفراد “صامْطين” يلتصقون بهم ويستفزونهم للكشف عليهم ومعالجتهم، فتتعدد المبررات بحسب شخصية كل واحد من أصحاب المهنة النبيلة، أين يرى بعض الأطباء الذين إستطلعتهم الأوراس نيوز حول مدى قدرتهم على معالجة أفراد أسرهم، وإن كان الجانب الأكبر منهم يتشاركون في الرأي، أين إعتبروا أن الجانب المهني بالنسبة لهم يتغلب على الجانب العاطفي، ما يعني قدرتهم واستعدادهم على القيام بذلك، حيث أكدت الحكيمة سمية.م وهي مختصة في الطب النسائي، أنه ليس لديها مشكل في الكشف ومعالجة أحد أفراد عائلتها، رغم ما يثير فيها الموقف من مشاعر الرهبة، وإن كانت تفضل إستقبالهم في العيادة كغيرهم من المرضى، وكذا لتوفر الإمكانيات اللازمة للكشف والتعرف على مكمن الداء وتقديم العلاج المناسب.

ليتشارك معها في الطرح السيد عبد الباسط.ب وهو طبيب عام، في الشعور بالوجل في حال تعرضه لمثل هذا الموقف، أين بين أنه لن يتوانى عن فحص ومعالجة أي فرد من العائلة، بل وتعدى ذلك إلى إستطاعته القيام بذلك في المنزل دون تكليفهم بالقدوم إلى العيادة أو المركز الطبي، كنوع من المحاباة باعتبارهم ليسوا كغيرهم من المرضى، فأن يجمع هؤلاء بالنسبة له بين المرض الذي وجب عليه معالجته وكشفه، والرحم باعتبارهم أحد أفراد العائلة الذين لهم حقوق عليه، أمر يجعله يعمل على تأدية ذلك تجاههم، خاصة وأنه يستطيع ذلك علما وعملا وحتى ماديا إن تتطلب الأمر واستطاع إلى ذلك سبيلا.

“أحاول معالجتهم عندما يمكنني ذلك، خاصة في الحالات التي تواكب معرفتي، فيما أعمل على توجيههم للطبيب أو المصلحة المختصة عندما تتخطى الحالات معرفتي وقدراتي”، هكذا صرحت الآنسة خديجة. ف وهي طالبة طب متربصة، ليقتصر مكان كشفها ومعالجتها لهم حسبها على البيت، كونها ليست مؤهلة للتوظيف الطبي في الوقت الحالي، خاصة وأنها لم تنهي دراستها بعد، لتسير بذلك مع تيار بقية المستجوبين مؤكدة نقطة الرهبة والخوف “بزْيادة” تجاههم مقارنة مع غيرها، كونها فتية ومنعدمة الخبرة في الميدان التطبيقي.

 

تفادي الموقف أريَح نفسيا ومنطقيا

وعن الجانب النفسي للموضوع، ترى مريم أوشن المختصة في علم النفس، أن المنطق يفرض أن يتفادى الأطباء موقف الإشراف على كشف ومعالجة الأهل، وهذا بعيدا عن الجانب القانوني، لأنه وحسب المختصة، فإنه عندما يجمع المريض بين المرض والقرابة، فإن ذلك يثقل كاهل الطبيب نتيجة الضغط النفسي الذي يتعرض له، ما يبعده عن الموضوعية والعمل الإحترافي مهما حاول نفي ذلك، فرؤية أحد الأهل مريضا أمر صعب، فما بالك بالإشراف على معالجته، ما يجعل من الكشف ومعالجة عدد من المواطنين العاديين أهون عليهم من نفس الموقف تجاه دائرة الأهل والقرابة المحيطة به.

 

الإستعدادات الفردية والخبرة المهنية تسبق الأخلاقيات المهنية

رغم أن القواعد الخاصة بأخلاقيات مهنة الطب، لم تتطرق للأمر سواء بالنفي أو الإيجاب، إلا أنها أشارت للأمر ولو بطريقة غير مباشرة في المادة 97، عندما أبانت أنه لا يُقبل أن يُعرِّض الطبيب المعالج أحد زبائنه أو أصدقائه أو أقاربه أو مجموعة تطلب خدماته للخطر، كما لا يمكن في الوقت نفسه إتخاذ أي قرار أو إجراء يعرض عبره مصالحه للخطر في نفس المادة، بالإضافة إلى أن نفس هذه القواعد حثت الأطباء وكذا جراحي الأسنان على تقديم العلاج المجاني خلال ممارستهم للمهنة، تجاه الزملاء والأشخاص الخاضعين لكفالتهم أو لطلبة الطب أو جراحي الأسنان ومستخدميهم ومساعديهم المباشرين، وذلك في المادة 66 منه.

وهو ما يفسح المجال للأطباء لإتخاذ القرار الصائب والصحيح بحرية تامة، بعودة كل واحد منهم لمدى قدراته واستعداداته النفسية قبل المهنية والتي قد تتأثر هذه الأخيرة بها، في مثل هذه المواقف، وكذا الخبرة الميدانية في عالم المهنة النبيلة التي رغم قساوة أدواتها المستعملة، إلا أنها تبقى من أنبل وأهم التخصصات والعلوم التي تساهم في إنقاذ البشرية جمعاء، وإن لم تتمكن من تحقيق وتوفير الجانب الملموس والمرغوب فيه بشكل كامل، في معالجة أفراد العائلة بمختلف صلات القرابة تجاههم، على أرض الواقع من قبل العديد من أصحاب البدلات البيضاء.

رحمة مدور

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.