العمود

أعداء وهميون لحروب واقعية

التفكير بصوت عال

ظهر أسامة بن لادن ثم اختفى وسط جو من السر غريب جدا…هذا الرجل الذي يفترض أنه قد عاش وأرعب الناس وتغلب على أميركا التي لا تقهرها البلدان ذات التكنولوجيات العالية، تغلب عليها ونظم عملية على درجة عالية من الضبط والخطر…عملية تفجير البرجين التوأم في نيويورك، اعتداء ارهابي سيؤرخ به لهذه الفترة بالتأكيد مثلما نؤرخ اليوم للحرب العالمية الأولى باغتيال العاهل النمساوي وللثورة الفرنسية بأحداث الباستيل وبقتل “لويس السادس عشر” وزوجته النمساوية الجميلة “ماري انطوانيت”…

من المثير للانتباه أنه لا أحد التقى ببن لادن هذا عدا بعض الصحفيين الغامضين وبعض “الأشخاص” المرتبطين بالإعلام ارتباطا أصبحنا نعرفه ونخشاه…

الارهابي الكبير هو صور وأحداث وأشرطة فيديو فحسب، ثم تقارير أمنية مسجلة عموما تحت ملاحظة “سري لغاية” و “أمن دولة”…وهذا معناه أنها تقارير خارج دائرة التداول العمومي “لأسباب أمنية” ولأجل “عدم اعتراض التحقيقات” التي لا تتم أبدا، رغم الدور الكبير الذي تلعبه في رسم ملامح الفضاء العمومي.

للملاحظة التقارير النهائية حول قضيا الإرهاب الدولي لا تظهر كباقي التقارير السياسية والتاريخية إلا بعد 50 سنة…أو أننا ننتظر بركات التسريبات على موقع ويكيليكس… هذا الموقع الذي كشف كثيرا من التلاعب بالمعلومات.

بن لادن جاء إلى الوجود وقد شاهدنا له صورا وأفلاما غريبة، غير مجرى التاريخ إلى درجة أننا معنيون بأمره جميعا على كوكب الأرض، ثم ظهر خبر القضاء عليه وقد رأينا لما من المفروض أن يكون جثته صورا.

ونحن اليوم نشهد صورا تتحدث عن ابنه. الجيل الجديد من الارهاب مع قرب نهاية مهام داعش سيمثله ابن أسامة بن لادن.

نقطة إلى السطر.

كذلك كانت حكاية الصور التي أمضى بناء عليها الملك فهد بن عبد العزيز قرار السماح للجيش الأميركي بإنشاء قواعد له على البقاع التي دامت قداستها قرابة الخمسة عشرة قرنا قبل ظهور “دنس” الارهاب العراقي… العراقي؟….نعم كانت صورا مفبركة قدمتها  cia لخادم الحرمين الشريفين  عن قواعد حربية عراقية سرية تربص على حدوده….صور سرعت حرب الخليج… ولكن الارهاب سيغير سريعا جنسياته:  فهو الارهاب العراقي/ السوري/ الافغاني/ الكردي/الاخواني/الداعشي/السلفي الجهادي/ المراصد للسامية/الإسلامي في أوروبا…الخ الخ

أهم ما يتميز به هذا الإرهاب الذي من الصعب تصديق صيغه الرسمية هو دوره كمحور تشكيل الإسلام لخطر معين في العالم، وعدم وجود أي متكلم يتكلم باسمه، فهو إرهاب أخرس…ينطق عنه مدونو التقارير دائما، وهو إرهاب ذكي جدا بحيث يتحكم في الشابكة ببساطة، فيرعب البلدان باختراق أنظمة حمايتها، ولكنه إرهاب غبي جدا فلا مفجر في أحداث فرنسا الكثيرة إلا وهو يترك خلفه أوراق ثبوتية تقنع المحققين الذين يبحثون دوما عن اسم واضح  يلصقون به الجريمة وكفى.

الحزين فعلا هو أنه لا أحد منهم تسائل : لماذا يحمل إرهابي ذاهب بهدف تفجير مكان عمومي وثيقة هوية؟ ولماذا ينساها تلقائيا فتسقط منه “صدفة”( قبل هربه من موقع التفجيرات مباشرة).

وفقا لدراسة من استطلاع للرأي أجري بين عامي 2015 و 2016 ، وبتمويل من البنتاغون، فإن الغالبية العظمى من المسلمين في العراق وسوريا لا يدعمون داعش. بالإضافة إلى ذلك، تثير الأقلية الصغيرة من الذين قدموا له يد المساعدة على أرض الواقع، وهي من المفارقات الكبرى، اهتماماً أكبر بالمطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أكثر من القناعات العقائدية أو حتى المعتقدات الدينية.

في اطار نفسه، من المثري لموضوعنا هنا أن نلقي نظرة سريعة على كتاب هام ظهر منذ سنوات؛ هو عمل المؤرخ الأوغندي محمود ممداني  La CIA et la fabrique du terrorisme islamiste, Paris, Demopolis, 2008، كتاب نرى أن  هناك حاجة إلى محتوياته أكثر من أي وقت مضى. تحذرنا القراءة الحذرة في وكالة المخابرات المركزية وعلاقتها بنسيج الإرهاب الإسلامي من كل أنواع التبسيط والاختزال المضحك أحيانا. وبالتالي فنحن نفهم أنه من السهل حقًا ترك قناعاتنا تنخدع بكل الأحكام التي نسمعها في الميديا – وفي الميديا فقط- عن هذا الشبح المتخفي الذي كثيراً ما نطلق عليه تسمية “الإسلام السياسي”. مهندسو هذا التحريض هم، من ناحية، الكتل المهيمنة (الضباط السامون  وقيادات الأركان في الجيش، المخابرات، المستوردون الريعيون الذين يسيطرون على القطاعات الرئيسية للاقتصاد المحلي والعالمي) في السلطة في بعض الدول العربية أو الإسلامية، ومن ناحية أخرى رعاة الإمبريالية على المستوى العالمي.

إن صناعة الارهاب تعمل على إدامة الأنظمة غير الشرعية بذريعة الكفاح ضد الظلامية بقدر عملها على الحفاظ على التوازنات الإقليمية في وئام مع النظام العالمي أحادي القطب والهيمنة الذي هو النظام العالمي الحالي. أما بالنسبة للحيز الجغرافي الثقافي الإسلامي، في مواجهة حكم استطلاعات الرأي التي من المحتمل أن تعطي نتائج معادية لمصالح الطبقات الحاكمة، فإن “الغرب” يقدم خيار الاستقرار على خيار الديمقراطية. استقرار الأسلحة والثكنات، بالطبع.

يسلط ممداني الضوء على غياب الوعي التاريخي عن تحليل الوضع السائد في هذا الجزء من العالم  الذي غالبا ما يتحول إلى أحكام جاهزة ووصفات سياسية سريعة مكرورة تسير ضد المنطق الذي تعلنه هذه الدول الامبريالية نفسها في منابرها الجامعية والسياسية الكبرى، وهو المنطق الاستعماري نفسه يعيد نفسه من أجل خلق الثنائية المريحة القديمة المتجددة بلا كلل (سيد/عبد- كتحضر/بدائي- أبيص/ملون- …)

في نهاية الأمر تغير شكل مبررات الحرب، وتحول هاجس حماية المصالح التجارية القديم إلى العدوان الصريح الذي هو مقاومة الإرهاب. إرهاب لا نملك منه سوى الصور. وهو منطق الشبح: موجود وغير موجود. لا أجد يمسك به وهو وحده القادر على تشكل خطر الموت. تتغير الأجيال بفعل التقدم في السن والموت وهو وحده عابر للزمن  باق على حاله.

وقياسا على المثل الجزائري الشهير “ما يبقى في الواد غير أحجاره” يمكننا نحت مثل جديد “ما يبقى في الواد إلا أشباحه”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق