العمود

أغوار “سيلية” لم تفك

ليس من السهل جدا أن تقنع قارئا باقتناء كتاب ما إذا لم يجد ما يبحث عنه كإجابات لمختلف التساؤلات التي تحدق به من كل بقاع الكتب التي يتم انجابها من طرف الكتاب الذين لا يتهاونون في اعطاء قصص وروايات تحكي شخوصا من صميم الخيال والواقع ودمجهما عبر الأمكنة والأزمنة وتقديمها له كوجبة لذيذة من أجل “عيون” الفكر، وحتى يكون لديه تأثير قوي لدى المتلقي هذا الذي تحيط به هالات من الألم والمعاناة والأسئلة الوجودية التي يبحث عنها في ثنايا الكتب التي يجدها عبر قارعة “سيلا” متحديا المسافات والظروف القاهرة حتى يحصل على ما يمكن تسميته “بالسيكولوجية” التي يعمل من خلالها المؤلف على تحوريها له، إلا أن الدراما تتلاشى فجأة عندما يجد القارئ نفسه أكثر توهانا وهو يقرأ ويتصفح كتب تتواجد في أقرب مكتبة لديه، أو تلك التي لم يجد نفسه فيها وكأنه خلق في عالم غير ذلك رغم كثرت أعدادها ومواضيعها، أو تلك التي تحدث لديه خيبة عندما يسترسل في قراءة مالا يمكن قراءته أبدا.
يبدو أننا حقا نعيش في نقطة “موت القارئ” هذا الذي يعطي حقيقة حياة المؤلف حتى بعد موته لآلاف السنوات الإبداعية، ولعل ما يجعل الجميع يقبع في دائرة الكتابة دون أن يولي أهمية للقارئ، هي الأنانية المفرطة ولنقل أن الكاتب يقوم بإدراج الأمور التي يراها من منظوره أنها ستهم القارئ، وأن رواية ما ستحوز على قلبه على حساب الروايات الأخرى أو الكتب المنافسة، والعجب أن نجد كتاب يراهنون على جودة كتابهم الذي يلعب على جسد الأحداث أكثر من الخوض في روحها، والتقديم المبتذل لمعلومات ربما قد نجدها تبهره لأنه لم يتعود عليها وهي في الحقيقة مجرد نكسة لا بد من تجاوزها، والتي تحدث نوعا من “القيء” والغثيان وأنت تقرأ إحداها، هل يمكن حقا أن يحصل ذلك ويتم نخر روح الأدب بمجرد التفكيرات الزائفة أن كل ما هو ممنوع مرغوب به؟، ألا يمكن أن تكون الكتابة جسرا لنقل المجريات والأحداث بطريقة لا تثير الحياء وكأنك تشاهد أحد الأفلام اللااخلاقية، أو أحد المناظر الشنيعة التي تتفادها وأنت مغمض العينين حتى لا تعيدها مجددا في حين ترسمها وتعريها الكتابة بتفاصيلها؟، وهل التلاعب بالجسد والأمور التي تثير دهشة مراهق هو ما نحتاج إليه حقا في حل نزواتنا، وهل يعقل أيضا أن يتم لمُ الكتب لمجرد حدث كبير دولي دون النظر إلى ما يحويه من فكر وعمق فلسفي وفكري ممزوج بالجماليات التي تخدم القارئ؟.
إذا كانت النكسة التي نعيشها اليوم تزيد من توتر العلاقة بين القارئ وكاتبه، وكون القارئ يفضل يوما بعد آخر ألا يقرأ المزيد من الأفكار التي تبدو متشابهة، والإطلاع على الأسماء التي تعمل على إرجاح كفة الشهرة إليها، دون القاء بال للقارئ الذي يعد الحلقة الأهم في خريف الكتاب الذي يعاني من وعكة صحية لا بد من تشخيصها قبل أن تلوذ إلى وهم تمجيد النص، على أن الأغلب رجوع غير متوقع صفر الأفكار لمختلف الأعمال المقدمة التي لم تعد تمنح القارئ شيئا، المتلقي أصبح أكثر ذكاء وفطنة في أن يكون مجرد متلق سلبي، بل هو يساهم أيضا في تركيب الأحداث بطريقة أو بأخرى، والأحرى أن تفك مثل هذه العقد اتجاه المتلقي، وإلا سنشهد موتا مفاجـــئا للنــــص قبــــل كاتبة في مجال الفن الأدبي.

رقية لحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق