إسلاميات

أمة القرآن ووجوب تزكية نفوس الناشئة به وتعهده

قال الله تعالى:((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ َ))  سورة الجمعة الآية 2

القرآن العظيم.. كتاب الله يهدي للتي هي أقوم، وإلى صراط مستقيمٍ؛ قال الله تعالى]إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: 9].
والقرآن العظيم كما أنه كتاب هداية وإصلاح، هو كذلك كتاب تربية وتهذيب، يتضمن منهاج الحياة السوية، بل لا منهج تربويا كاملا في مضامينه، شاملا في مقاصده، كالمنهج القرآني الجليل.

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم منذ فجر الإسلام يربي أصحابه على القرآن العظيم؛ تلاوة وحفظا، وتدبُّرًا وعملا وتطبيقا؛ يقول الله تعالى: }هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ{ [الجمعة: 2].
ومن معطيات الآية الشريفة أن الأمة كي تزكو وتَرشُدَ، إنما تُؤسس كافة أنماط حياتها على أُسس التربية الإسلامية، وهي تلاوة الكتاب – بمعنى: القراءة والعمل – وعلى تزكية النفس بصنوف الطاعات والقُربات، وتعلُّم الحِكمة وهي السُّنة.
وإنه لمن خصائص الأمة المحمدية أنها أُمة القرآن، تَحمله في قلوبها، وتُطبقه في حياتها، وترجِع إليه في كافة شؤونها؛ فالقرآن العظيم مَتلوٌّ على الألسن، محفوظ في الصدور وعلى السطور؛ قال تعالى:} بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ {[العنكبوت: 49].
ولو تأمَّلنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه – رضوان الله عليهم – لرَأينا أنهم كانوا يَتلون القرآن العظيم، ويتَّخذونه عملاً يوميًّا، لا يَنفَكون عنه، فكانوا يُحَزِّبون القرآن – أي: يُجَزِّئونه – ليَسهُل تَرداده وحِفظه، وكانوا يحفظونه – وهم أُمة أُميَّة – تلقِّيًا ومشافهة من النبي صلى الله عليه وسلم في صلواته وغيرها؛ فالقرآن رُوح الأمة الإسلامية، ومصدر عزِّها، وسبب فلاحها في الدنيا والآخرة، والمسلمون تُقاس استقامتهم بمقدار تمسُّكهم بكتاب ربهم – عز وجل؛ ففي حديث عائشة – رضي الله عنها – عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إن جبريل كان يُعارضني القرآنَ كلَّ سنة، وإنه عارَضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضَر أجَلي)).
قال ابن حجر: يَعرِض- بكسر الراء – من العَرْض، وهو بفتح العين وسكون الراء؛ أي: يقرأ، والمراد يَستعرضه ما أقْرأه إيَّاه، والمعارضة مفاعلة من الجانبين، كأن كلاًّ منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع.
• ويقول أَوس بن حذيفة – رضي الله عنه – لقد أبطَأ علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة، قال: ((إنه طرَأ عليَّ حزبي من القرآن، فكرِهت أن أخرجَ حتى أُتِمَّه))، قال أوس: فسألت أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كيف تُحَزِّبون القرآن؟ قالوا: نُحزِّبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتِسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المُفصَّل من قاف حتى يختم.
لقد كان هذا هو دَأْب الصحابة – رضوان الله عليهم – في أنفسهم وفي أولادهم، وهم أكرم الأجيال، وخيرُها وأفضلها، يحفظون القرآن ويُحفِّظونه أولادهم؛ تلقِّيًا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في صلواته وغيرها، حتى كان حفظ القرآن وتلاوته وتلقِّيه جزءًا من حياتهم اليومية.
وهذه نماذجُ كريمة لأبناء الصحابة – رضوان الله عليهم – وكيف كان تعليمهم وتربيتهم مؤسَّسَيْنِ على القرآن العظيم.. وكيف كان تنافُسهم في حفظه وتلاوته، وذلك جزءٌ من المنهاج النبوي في التربية:
• يقول البراء – رضي الله عنه -: “أول مَن قدِم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعبُ بن عُمير، وابن أُمِّ مكتوم، فجعَلا يُقرِئَانِنا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- فما رأيتُ أهل المدينة فرِحوا بشيءٍ فرَحَهم به، حتى رأيت الولائدَ والصِّبيان يقولون: هذا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قد جاء، فما جاء حتى قرأت: }سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى{ [الأعلى: 1] في سورة مثلها”.
• ويقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : “توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المُحكم، قال سعيد بن جُبير: قلت له: وما المُحكَم؟ قال: المُفصَّل”.
• وكانوا يُرتلون القرآن آناء الليل وآناءَ النهار، وكان أكثر تلاوتهم بالليل بعد فراغهم من المشاغل والمهن، ولأن ناشئة الليل أشدُّ وطئًا وأقوم قِيلاً، وكانت بيوتهم تُعرَف في ظلمة الليل بأصواتهم من القرآن كما في حديث أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: ((إني لأعرف أصواتَ رُفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرِف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنتُ لم أرَ منازلهم حين نزَلوا بالنهار)).
وبلغ من اهتمامهم بتعلم وتعليم القرآن، أن كان أحدهم قد لا يَملِك من حُطام الدنيا شيئا، لكنه يحفظ سورا من القرآن؛ يُرددها، ويتدبَّر فيها، ويعتز بها، والأمثلة عليه أكثر من أن تُحصَر، كما في قصة الواهبة نفسَها لما خطبها أحد الصحابة، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((التمِس ولو خاتمًا من حديد))، فما وجَد، ثم قال له: ((ماذا معك من القرآن؟!)) فراح يُعدِّد السور، فقال له: ((ملَّكتُكها بما معك من القرآن))؛ رواه سهل بن سعد – رضي الله عنه.
هذا ولئن كانت الناشئة عماد الأمة وأمل المستقبل، فحري أن تنشأ على مائدة القرآن، وأن تنهل من مَعينه الذي لا يَنضُب، وأن يكون القرآن العظيم – وهو كلام الله جل ذِكْره – الهاجس الأكبر للولد، يَقرَؤه ويُردِّده غدوا وعشيا في الخَلوة والجَلوة، يتلوه تدبُّرًا وتفكُّرًا، قراءة وعملا، حتى إذا شبَّ عن الطوق، شب وقد امتلأ صدره بنور القرآن، وشغف قلبه بحبه، فكان تقيًّا نقيًّا، عالِمًا عاملاً، وأيُّ سعادة يُحصِّلها الإنسان بعد هذه؟.

د. عبدالرب .ن

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق