كشكول

أمنزو نينًار.. مناسبة متجددة للتصالح مع الذات

على حافة السياسة

يعود رأس السنة الأمازيغية في دورته الـ 2970 ليضفي بأجوائه وجدله على الساحتين السياسية والثقافية، ولينقسم حوله  بعض الجزائريين مجددا، حيث شهدت الفضاءات العامة وشبكات التواصل الاجتماعي منذ أيام تجدد الاشتباك بين الرافضين للمناسبة والمدافعين عنها، ولكنها بأقل حدة هذه السنة، بما يوحي بأن الأمر الواقع أصبح أمرا واقعا، فالطرفان استفادا من عطلة مدفوعة الأجر اليوم، واستغلا وقتها لمواصلة صراعاتهم الدونكيشوتية حول المناسبة، لاسيما على موقع فايسبوك، غير أن المتتبع لهذا النقاش الذي يخفت طيلة أيام السنة ليعود على رأسها لمدة لا تزيد عن أسبوع ثم يختفي مرة أخرى، سيجد بأنه نقاش مصطنع، اتخذه المتطرفون من الطرفين مطية لخدمة مصالحهم والتنفيس عن عقدهم النفسية.

 

ترسيم المناسبة.. لغرض في نفس المخلوع

منذ إدراج رأس السنة الأمازيغية  ضمن قائمة الأعياد الرسمية والوطنية التي يحتفل بها والتي تعتبر كعطلة مدفوعة الأجر، خرجت هذه المناسبة إلى العلن، وبذلك تحولت إلى تراث وطني محمي بموجب الدستور وقوانين الجمهورية مثلها مثل كل المناسبات الوطنية والدينية والاجتماعية التي لا يختلف حولها الجزائريون الذين يؤمنون بالوحدة الوطنية وبما يعززها ويلم الشمل الوطني، حيث سيبقى هذا الإجراء من حسنات النظام السابق الذي كان يقصد بها حاجة في نفسه.

وبمصادقة المجلس الشعبي الوطني  في أفريل 2018، على مشروع القانون الذي يضيف رأس السنة الأمازيغية يناير إلى الأعياد الوطنية التي تستلزم عطلة مدفوعة الأجر، تم إخراج هذا الحدث من الطابع الفلكلوري والشعبي إلى الطابع الرسمي، مثلما هو الحال مع الأعياد الدينية وذكرى أول نوفمبر، ورأس السنة الميلادية وعيد الاستقلال وعيد العمال، وغيرها. ويعود ترسيم المناسبة إلى يوم 27 ديسمبر 2017، حين أعلن عنها الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة خلال البيان الختامي لاجتماع مجلس الوزراء الذي جاء فيه، “في نفس السياق ولدى التوجه بتمنياته للشعب الجزائري عشية حلول السنة الجديدة 2018، أعلن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن قراره المتعلق بتكريس يناير يوم عطلة مدفوعة الأجر اعتباراً من تاريخ 12 جانفي المقبل، حيث كلفت الحكومة باتخاذ الترتيبات اللازمة في هذا الشأن”، حيث كان المقصود من تكليف الحكومة باتخاذ التدابير اللازمة، إعداد مشروع قانون جديد يعدل ويتمم القانون رقم 63-278 الذي يحدد قائمة الأعياد الوطنية.

 

إيرشمن.. تجمعنا والتطرف لا يفرقنا

يقع الكثير من المعارضين للاحتفالات بمناسبة رأس السنة الأمازيغية في تناقضات رهيبة تبوح بمحتوى سرائرهم المريضة تجاه التنوع الذي تزخر به ثقافتنا، فهؤلاء يدركون جيدا أن المناسبة متجذرة في كل الثقافات المحلية لكل المناطق، بل تتعداها إلى خارج الوطن مع اختلافات بسيطة في طريقة الاحتفال، ويدركون جيدا بأنهم لن يوقفوا عجلة التاريخ بتتفيه هذه المناسبة وما يصاحبها من طقوس في الأكل واللباس وغيرها، وهم يدركون أيضا أن أي ثقافة لا تخلوا من الطقوس سواء كانت عقلانية أو لا، في الوقت نفسه تجدهم يتشدقون بالمظاهر الاحتفالية التي تصاحب الاحتفالات يالسنة الميلادية أو الهجرية أو مختلف المناسبات الأخرى، حيث لا تخلوا أي مناسبة للفرح أو الحزن من طقوس يختلف حولها البشر، لكنهم لا ينفونها، فلا أحد مجبر على فعل شيء أو تركه، وفي النهاية هناك فسحات تمنحها هذه المناسبات للناس للاحتفال وتغيير الأجواء، وليس لبث الشحناء والبغضاء، ونفي الآخر وتحجيمه ومحاولة الهيمنة عليه.

إن الحملات التي تستهدف الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية تعبر عن مدى استبداد التطرف بأصحابها، والتطرف في حالات كهذه هو حالة نفسية تحاول من خلالها الذوات المهمشة لهؤلاء إحداث الأثر المطلوب للفت الانتباه، والشعور بالذات في تقمص تام للسلوك المتطرف غير المبرر، ومن المؤسف أن بعض أصحاب هذه العلل من حملة الشهادات الجامعية ومن ذوي المكانة الاجتماعية كبعض الأئمة مثلا، وهناك من لديهم أتباع من فئات عمرية واجتماعية مختلفة، وبالتالي فإن استغراقهم في هذا السلوك المنحرف يخلف آثارا سلبية على المدى الطويل.

 

ثلاثية العدم: الدين، الهوية والسياسة

يؤمن كثير من مشاهير المتدينين ومن هم على شاكلتهم من شاغلي الفضاء العام بالآية الكريمة ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”، لكن عندما يصلون إلى خصوصيات المجتمعات وثقافاتهم المحلية التي لا تسيئ إلى الأديان وأصحابها ولا إلى الذات الإلهية، تستبد بهم الرغبة في الهيمنة وشيطنة الآخر المختلف ومحاولة محو مقومات وجوده، في تحدي واضح للسنن الكونية ومنها تلك الواضحة تماما في الأية الكريمة التي تخاطب الناس، كل الناس مهما كان دينهم أو لونهم أو عرقهم، وتحدد معيار التفريق بين خلق الله بالتقوى وفقط، والأمر ينسحب على غلاة السياسة، والمشتغلين على الفروقات بين الناس مهما كان نوعها، وهي كلها سلوكات عنصرية عافتها المجتمعات المتحضرة، فاتخذت سبيلها في بحر الرقي والتطور، وتركت التعصب يعصف بالأمم المتخلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق