مواسم البوح

أنامل باتريسيا

قصة

هل هو سيء أن يصبح المرء مجنونا !؟ كان هذا تساؤلي مخاطبة نفسي في مرآة الحمام، عند انتهائي من الاغتسال ذهبت مباشرة إلى الفراش أبحث عن أجوبة لسؤالي هذا الذي شغل بالي فاستلقيت ممدة على سرير حديدي عالي متآكل ووسادة صلبة كلوح خشبي وبدأت في التحدث مع نفسي مجددا وراحت الأفكار تأتي بي تارة و تذهب بي تارة أخرى كأمواج البحر وها أنا أقول (أحدث نفسي): طبعا لا، الجنون ليس أمرا سيئا، سأغدو متحدثة مع ألعابي المفضلة سأكون حرة أذهب أينما أشاء لن يكون علي مزاولة الدراسة فأنا أكرهها على أي حال، سأتكلم مع الأواني والأثاث كما شاهدتهم يتكلمون في الرسوم المتحركة،  يا له من أمر جيد أن أعيش كما أحب،  ربما سيكون أمرا صعبا علي في البداية لكن الزمن كفيل بمحو أثار الأحاسيس، سأعتاد عليه كما اعتدت أصبع يدي المبتور كما اعتدت رجلي المحروقة سأعتاد عليه كما اعتدت غياب والداي المتوفيان بعد الحادث لن أعود بحاجة للاشتياق لهما سأعيش بدون أحاسيس وبدون مشاكل بدون روح ولا عقل، نعم الجنون ليس أمرا سيئا الجنون عالمنا الخاص، ذلك العالم حيث نرى ونسمع ما نريد، الذي نهرب إليه من الأم عالمنا المحدود بالواقع، المنطق والفيزياء إلى أبعاد أخرى نسبية.

ها أنا اليوم أقف أمام تلاميذي أدرس الرياضيات المادة التي لطالما كرهتها في صغري، أنا لم أجن! نعم مع هذا العالم السيء و لم أجن ! هل اعتبر شجاعة آم أن الأيام كانت كفيلة بتعليمي الصبر .

لم أرد تذكر هذا لكن بعض الذكريات لم و لن تمحى من ذاكرتي . للأسف الأمر ليس بيدي ! لو كان الأمر بيدي لما تذكرت حتى من أنا ..  ها أنا أغوص مجددا في ذكرياتي وأتذكر أول يوم لي في الميتم كان بمثابة اليوم الأول لي في الجحيم بعد موت والداي لم يجدوا أحدا يعتني بي ويكفلني فرموني في الميتم  كقمامة في صندوق مسود في زاوية كوخ منعزل بمنئ عن العالم مهترئ سقفه يدخل قطرات المطر كريه الرائحة لا حياة فيه غير الفئران الجائعة، حتى عمي رفض التكفل بي ! لقد كنت مكروهة عند الجميع لا أدري لما ولا أدري كيف، الشيء الوحيد الذي أعلمه هو أن والداي كانا الوحيدان من يكنان لي الحب وهاهما قد ذهبا عني، من سيحبني الآن ! احمل بين يداي وشاح أمي لا تزال رائحة عطرها عليه لقد اشترينا ذلك العطر معا، أنا من إخترته لها، لقد أحببته ..كانت رائحته تشبه لحد كبير رائحة الطبيعة رائحة الأرض المبتلة بالمطر،  اشتمه كلما شعرت بالاشتياق فأحس بالحنين كأنها معي تربت على ظهري لكن ما إن أرفع رأسي عنه حتى أرى بقع دمائها مطلية عليه كالوشم  فأرجع عائدة إلى عالمي الحزين أو كما أسميته الجحيم، أنا لا اعرف ما هو الجحيم و لم أره من قبل لكن أنا متأكدة أنه يشبه ولحد كبير ما أعيشه الآن .. أعلم أنكم تظنون أني لازلت صغيرة وعمري ثمان سنوات وأني لا أعلم عن الحياة شيئا ؟!  الحياة لم تحاربني بشرف لم تراعي أني أواجه هذه الكدمات والصعوبات لوحدي .. أبكي كل الوقت مرددةً لماذا أنا يا الله !أعلم انه ابتلاء وامتحان من عندك أعلم أنك تحبني يا الله أعلم أنك موجود ساعدني أرجوك، رغم صغر سني إلا أني أعلم أن الله من خلقنا وهو من يسير أمورنا في الدنيا، منذ عمر الثلاث سنوات علمتني أمي كيف أحب الله لأنه هو من مدنا بالحياة ويرعانا فيها، نعم أنا لم أغضب منه لأنه أخذ مني أغلى ما أملك ! والداي .. فهو أخذ أمانته، ففي المقابل مدني بأجمل ثمان سنوات عشتها.

بقي شهرين على عيد ميلادي التاسع أول عيد ميلاد لي بلقب يتيمة، أنا أُضرب وأُشتم كل يوم لأني أرفض الحديث مع أي أحد أنا أُضرب لأني لا أريد الخروج من غرفتي ومن عزلتي أنا أحتاج لبعض الحنان كحنان أمي أو جزء صغيرا مشابها له أنا لم أطلب الكثير .. في هذا المكان الموحش! لم أجد ذرة حنان لا بفعل ولا بكلمة ! لست أدري لماذا يأتون بنا إلى هنا ؟! هل يأتون بنا لزيادة فوق العذاب والبؤس اثنين! أنا متأكدة انه لو رموني في الشارع كنت سألقى حضنا يستقبلني ويضمني كحضن طريق أو حضن شجرة أو حتى حضن قط متشرد .

اليوم الأول :

دخلت غرفتي أو بالأحرى صندوقي  كيف لي أن صفه إذ لم أجد ما أصفه نظرت مطولا إلى الجدران ذات لون لم أميزه بعد إلى أي لون ينتمي .. أظنه قريب من الرمادي عليه خربشات ليس لها صلة بالمنطق يمكن أن تكون خربشات تعبر عن الأيام القادمة التي سأعيشها هنا وسبق لليتامى قبلي عيشها، يوجد سرير حديدي متآكل يكاد يسقط من قِدَمِه هاهي خزانة صغيرة كأنها علبة أحذية معلقة على الحائط  لا تكاد تكفي حتى لوضع تنورتين فيها، لكن سأتعايش معها مادامت تكفي لوضع لعبتي مايا ووشاح أمي. هذا ما يوجد في غرفتي أو كما أسميتها “صندوقي ” نعم أكاد أنسى هناك نافذة مغطاة بسياج حديدي تطل على الحديقة يا الهي ! منظر جميل هناك عصافير على حافة النافذة وراء السياج  وأخيرا وجدت شيئا جميلا في هذا المكان أشغل به نظري. هاهي المديرة تنادي باسمي للنزول . لم أخبركم باسمي بعد، عندي اسم غريب وقديم نوعا ما، سميت على اسم جدتي المرحومة اسمي هو باتريسيا اسم غريب لكن معناه جميل “النبيلة ” لطالما أعجبني اسمي خاصة عند مناداتي به. ذهبت بخطوات متثاقلة أرهقتها الأيام ذهبت بقلب كل ما أتمناه أن يعود به الماضي لحضن أمه الحنون، نزلت مسرعة إلى المديرة والحزن يطغى على وجهي وقلبي فأنا لم أعجب بهذا المكان بتاتا، أرادت تقديمي لليتامى في الميتم والعاملين به قالت هذه باتريسيا يتيمة جديدة معنا رحبوا بها! يتيمة ! يا له من لقب يهتز له البدن.. لا بأس هذه هي الحقيقة أنا يتيمة ! ما إن أنهت كلامها حتى لمحت عيناي فتاة جميلة آتية نحوي ملامحها بريئة كطفل في عامه الثاني كانت ذات شعر بني  طويل وذات عينان بنيتان كبيرتان جميلاتان، مرحبا بك أنا أديما ! قالت ومدت يدها لمصافحتي فصافحتها أنا بالمثل عرفتني بنفسها ودعتني لرؤية غرفتها، يبدو أنها جاءت إلى هذا الميتم منذ وقت ليس بالهين فسألتها منذ متى وأنت هنا فردت علي: أنا في الميتم منذ ستة أشهر فسألتها سؤال ثاني .. أحسست أنه كان محرجا لها ومحزنا في الوقت نفسه: كيف توفى والديك (السجن) فلم تجبني و خفضت رأسها نحو الارض ربما لا تريد تذكر مأساتها .. يالنا من مساكين كيف علينا تجاوز هذا وكيف يمكننا تجاوزه ؟! سبقتني بالدخول إلى غرفتها دخلت وراءها مباشرة، غرفتها تشبه لحد كبير غرفتي غير أنها تتميز عليها بأشياء أخرى كثيرة كالكتب القديمة نظرت قليلا ثم سألت مستأذنة منها الخروج عائدة لغرفتي. دخلت غرفتي نظرت لمايا لعبتي حملتها بيدي ثم جلست أفكر لعلي أنسى همي لكن وطء الذكريات أثقل من الزمن بل أثقل من هواء الغرفة الذي أحسست أنه يتصلب أكثر كلما أردت التنفس. لكن حدث العكس تذكرت منزلي ووالداي و غرفتي الوردية الزاهية ! الغوص في الذكريات بتفاصيل دقيقة ! بكيت مطولا حتى نشف الدمع مني وتبللت وسادتي وأشفق القدر علي فغفوت من شدة وجع رأسي … ترن ترن ترن.. نهضت فجأة على صوت هاتفي النقال يرن  ….

أمينة بن حشاني /باتنة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق