العمود

أنا نحفرلو في قبر امّو وهو هارب لي بالفاس؟!

لكل مقام مقال

نكران الجميل صفة ذميمة، وناكر المعروف شخص لا يؤتمن له جانب لأنه يتحين الفرص ليعطيك ظهره دون الالتفات “للعشرة” و”الملح”..والناس ينقسمون بين لئيم وكريم..فالأول تُسيّره المصالح إذا انتهت تمرد وكافأ بالجحود..أما الثاني فيحمل همّ الجميل طوال حياته ولا يفتأ يذكره ويشكر صاحبه.. وكما قال أجدادنا “خير الناس عدّو ولاّردوّ” ومن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم أن نكافئ صاحب المعروف ولو بكلمة فقال عليه أفضل الصلاة والسلام: “من أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أن قد كافأتموه”…وفي بعض الأحيان لا يكتفي ناكر الجميل بنكرانه بل يعمل على تعطيل من يسعى من أجل منفعته وهذا ما أخبر به المثل الشعبي الشهير والمتداول لكثرة “مضاربه” ” أنا نحفرلو في قبر امّو وهو هارب لي بالفاس”..

ومشهد هذا المثل كما أتصوره ليس فيه نكران للجميل..بقدر ما هو مأساوي بالنسبة لابن كُتب له أن يشهد عملية تحضير قبر أمه ولشدة تعلقه بها..تبادر إليه أن يمنع دفنها حتى يتسنى له رؤيتها والاحتفاظ بجثتها..فاختطف الفأس من بين يدي “حفار القبور” وهرب به بعيدا لتأجيل دفن “أمه” أو إلغاء ذلك بالكامل..والجزع قد يفعل بصاحبه ما لا يمكن أن يتصوره عاقل..

وغير بعيد عن محاولة إعادة تصور أحداث هذا المثل..يذكر أن شابا هنديا وضع أمه في الثلاجة لمدة تزيد عن الثلاث سنوات معتقدا أنها ستعود يوما إلى الحياة..ما يعني أن هناك عامل مشترك بين الشاب الذي هرب بالفأس وذاك الذي احتفظ بأمه في الثلاجة وهو “الحب” و”التعلق” الزائد عن الحد والذي يولّد في النهاية أفعالا جنونية..وقد فُسّر هروبه بالفأس على أنه نكران لجميل الحفر وتعجيل الدفن لكن العكس هو الحاصل..

ومن المثير أن هذا الاعتقاد “الخاطئ” هو ما تحول إلى مثل ضُرب وما يزال يُضرب للدلالة على عدم الاعتراف بالجميل، وعدم المبالاة إزاء مساعي “حثيثة” للمساعدة تُقابل بالعراقيل فنقول سبحان الله ” أنا نحفرلو في قبر امّو وهو هارب لي بالفاس”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق