الأورس بلوس

أنت ما تَقَرَا أُمُّكْ مَا….؟

لكل مقام مقال

من المثير للسخرية والغرابة أن تتحول حادثة تحرش عابرة إلى مثل يضرب حفظته الذاكرة الشعبية عبر التاريخ وتردده مبتورا كما قيل في أوله..كما أن هذا المثل يحمل طابعا محليا فلم يشتهر بقدر تداول الأمثال المعروفة عبر كل ربوع الوطن أو حتى خارجه..
فأحيانا نقابل في حياتنا من لا يُرجى منه شيء أو خير فأينما توجهه لا يأتيك بفائدة.. ويكون عالة على أهله أو معارفه، وعبئا ثقيلا فنواجهه بالمثل القائل ” أنت ما تَقَرَا أُمُّكْ مَا”.. وقد يتبادر إلى الذهن ما آخر “ما…” هذه؟؟.. وهذا ما سنعرفه من خلال سياق مورد هذا المثل الأوراسي بامتياز.. فقد قيل أن امرأة مات عنها زوجها وترك لها ولدا..عاهدت نفسها أن تصونه وتعيش لأجله وتبتّلت من بعد زوجها فرفضت كل عروض الزواج وكل العلاقات مهما كان نوعها، وعُرفت بالطهر والعفاف في قريتها فلا يجرؤ أحد على ذكرها بسوء.. ومرت السنوات وكبر رضيعها ليصبح طفلا يتوجب عليها تعليمه فأدخلته إلى “الكُتّاب” حيث يقرأون القرآن ويحفظونه ويتدارسونه وأوصت معلم القرآن أو من نسميه “بالطالب” بأن ابنها أمانة بين يديه وطلبت منه أن يلقنه “القرآن وعلومه” لعله يكبر ويصبح شيخ القرية..وكأي أم كانت تصبح وتمسي على حلم تفوق ابنها بين أقرانه.. لكن لسوء حظها فقد كان ابنها محدود الذكاء لا يكاد يفقه شيئا.. وكان حفظه ثقيلا.. فكانت تلك المرأة تُغدق على “الطالب” بالبيض و”الزيراوي” و”الرفيس” و”لمسمن” حتى يهتم بابنها أكثر ولا يضربه.. لكن حال ابنها باق على حاله دون تطور يُذكر.. وفي يوم من الأيام قصدت المرأة “الطالب” لتستفسر على وضعيته فانتبه لكونها فائقة الجمال من خلال عينيها حيث يُخفي “لعْجار” باقي وجهها.. فوسوس له الشيطان بأن يراودها على نفسها مقابل منح ابنها شهادة الإجازة في حفظ القرآن.. لكنها رفضت بشدة.. ومرت الأيام.. وقصدها للزواج فرفضت أيضا..وقالت له تعليم ابني لا يمكن أن يكون مقابله الزواج مني فلتنسى الأمر.. فما كان من “الطالب” إلا أن ربط الطفل على عصا “الفلقة” والتي تعني الضرب على الرجلين وهي طريقة معروفة للعقاب في الزوايا والكتّاب وظل يضربه بقوة وبغيظ حتى زلّ لسانه بقوله “أنت ما تَقَرَا أُمُّكْ مَا..”، “أنت ما تَقَرَا أُمُّكْ مَا”.. ولم يجرؤ على التكملة حتى لا يفتضح أمره بين الناس.. وبالرغم من ذلك فقد تحولت زلّته تلك إلى مثل يضرب إلى يومنا هذا.. أما تكملته فهي “أنت ما تَقَرَا أُمُّكْ مَا قبلت”.. يضرب هذا المثل في حال العجز عن تقديم مقابل غير مخصوص بعينه.. وعندما نتأكد أن لا فائدة ترجى من شخص ما.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق