إسلاميات

أنفق في رمضان لتكون من المحسنين

في مدرسة الصيام

الإنفاق قربة إلى الله، وظلة للعباد يوم العرض على الله؛ فالمؤمن ينفق ويجود، ويعطي فيفوز، وهو الذي يثق فيما عند الكريم؛ فقد قال: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 96].

إن الكريم صفة من صفات رب العالمين سبحانه وتعالى، كما أن الجود والكرم من صفات سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وكان في رمضان أجود من غيره، فكما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجودُ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلةٍ في رمضان، حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام، كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة).

والمؤمن يتأدب بأدب الله، ويسلك مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينفق حتى لا يكون ممن يبخل، ويجود فلا ينتظر من يسأل، ويعطي عطاء الواثق الجزل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، ما حرَم أحدا، ولا قال لأحد: لا.

فكان صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وهذا وصف المتصدق عليهم، فقالوا: “ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإن محمدا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة”.

وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه، قال: جاءت امرأة ببردةٍ، قال: أتدرون ما البردة؟ فقيل له: نعم، هي الشملة منسوج في حاشيتها، قالت: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال رجلٌ من القوم: يا رسول الله، اكسنيها،فقال: “نعم))،فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس، ثم رجع، فطواها، ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه، لقد علمت أنه لا يرد سائلًا، فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهل: فكانت كفَنَه.

إن البخل ليس من صفات المؤمن؛ فهو صفة من صفات المنافقين؛ قال تعالى: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [التوبة: 67].

وقد يكون مِن صفات اليهود؛ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: 37].

عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “السخيُّ قريبٌ من الله، قريبٌ من الجنة، قريبٌ من الناس، بعيدٌ من النار، والبخيل بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الجنة، بعيدٌ من الناس، قريبٌ من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله عز وجل من عابدٍ بخيلٍ” فربُّك يحب كل سخيٍ كريم جَوَاد منفق، وهو قريب من الجنة وبعيد من النار، ويكره كل بخيل شحيح ممسك، وهو بعيد عن الجنة وقريب من النار.

يقول بعض السلف: “الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك”.

يقول عبيد بن عمير: “يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأعطش ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا قط، فمَن أطعم لله أشبعه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن كسا لله كساه الله”.

وقال ابن عبدالبر: “كان عبدالله بن جعفر كريمًا، جَوَادًا ظريفًا، خليقًا عفيفًا سخيًّا، يسمى بحر الجود، ويقال: إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه، ولم يكن مسلم يبلغ مبلغه في الجود، وعوتب في ذلك، فقال: إن الله عودني عادة، وعودت الناس عادة، فأخاف إن قطعتها قُطعت عني”، وقال المدائني: “أول مَن سنَّ القِرى إبراهيم الخليل عليه السلام،وأول من هشَم الثريد هاشمٌ،وأول من فطَّر جيرانه على طعامه في الإسلام عبيدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما، وهو أول من وضع موائده على الطريق، وكان إذا خرج من بيته طعام لا يعاود منه شيءٌ، فإن لم يجد من يأكله تركه على الطريق”.

أخي الصائم، إذا أردت أن يظلك شيء يوم القيامة، يوم تدنو الشمس من رؤوس الخلائق، فعليك بالصدقة؛ فإنها تُظِلُّ صاحبها؛ عن عقبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الرجل في ظل صدقته حتى يقضى بين الناسِ”.

تذكر إخوانك من الفقراء والمساكين الصائمين؛ فأطعِمِ الجائع، وأسعد البائس، وواسِ اليتيم، وابذل للأرامل والمحتاجين، وكن أبًا لهم، ورحيمًا بهم، وعطوفًا عليهم.

فلا تغرنك الدنيا، ولا تشغلك الأموال، فرعون: الذي تولى أكبر المناصب، كيف كانت نهايته؟..يُعرَض على النار غدوًّا وعشيًّا، وأمية بن خلف: الذي كان يكسر ماله بالفؤوس من الذهب والفضة، أين مصيره؟.. فليس لك من مالك إلا ما تصدقتَ به، ونفعت به الناس، وأطعمتَ الجائعين، وأفطرت الصائمين، وواسيتَ المحتاجين؛ فأنفِقْ في رمضانَ لتكون من المحسنين..كن ممن يُنفِق فيُخلَف عليه، ولا تكُنْ ممن يُمسِك فيُتلَف له.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق