إسلاميات

أهل القرآن

قال تعالى: ” يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ” سورة الحديد الآية 13

يقول تعالى مخبرا عن المؤمنين المتصدقين، أنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم بحسب أعمالهم، كما قال عبد اللّه بن مسعود في قوله تعالى { يسعى نورهم بين أيديهم} قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نوراً من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ مرة رواه ابن أبي جرير ، وقال الضحّاك: ليس أحداً إلا يعطى نوراً يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفيء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفيء نور المنافقين، فقالوا: ربنا أتمم لنا نورنا، وقال الحسن { يسعى نورهم بين أيديهم} : يعني على الصراط.

وقد روى ابن أبي حاتم، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه فأنظر من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، فأعرف أُمتي من بين الأمم) فقال له رجل: يا نبي اللّه كيف تعرف أُمّتك من بين الأُمم؟ فقال: (أعرفهم، محجلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد من الأُمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم) “”أخرجه ابن أبي حاتم””.

وقوله: { وبأيمانهم} ، قال الضحّاك: أي وبأيمانهم كتبهم كما قال تعالى: { فمن أوتي كتابه بيمينه} ، وقوله: { بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار} ، أي يقال لهم: بشراكم اليوم جنات، أي لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار، { خالدين فيها} أي ماكثين فيها أبداً { ذلك هو الفوز العظيم} . وقوله: { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم} وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العرصات من الأهوال المزعجة، والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وأنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن باللّه ورسوله وعمل بما أمر اللّه به، وترك ما عنه زجر.

{ انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا} ، وهي خدعة اللّه التي خدع بها المنافقين حيث قال: { يخادعون اللّه وهو خادعهم} ، فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور فلا يجدون شيئا فينصرفون إليهم، وقد ضرب بينهم بسور له باب { باطنه فيه الرحمة وظاهره فيه العذاب}.

وقوله تعالى: { فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب} قال الحسن وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو الذي قال اللّه تعالى: { وبينهما حجاب} ، وهكذا روي عن مجاهد وهو الصحيح { باطنه فيه الرحمة} أي الجنة وما فيها { وظاهره فيه العذاب} أي النار، والمراد بذلك سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دخولهم أغلق الباب، وبقي المنافقين من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب، كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وشك وحيرة، { ينادونهم ألم نكن معكم} أي ينادي المنافقين المؤمنين: أما كنا معكم في الدار الدنيا نشهد معكم الجمعات؟ ونصلي معكم الجماعات؟ ونقف معكم بعرفات؟ ونحضر معكم الغزوات؟ ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ قالوا: بلى، أي فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: بلى قد كنتم معنا { ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني} ، قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات { وتربصتم} أي أخرتم التوبة من وقت إلى وقت، وقال قتادة: { تربصتم} بالحق وأهله، { وارتبتم} أي بالبعث بعد الموت، { وغرتكم الأماني} أي قلتم: سيغفر لنا، وقبل غرتكم الدنيا { حتى جاء أمر اللّه} أي ما زلتم في هذا حتى جاءكم الموت، { وغركم باللّه الغرور} أي الشيطان، وقال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان واللّه ما زالوا عليها حتى قذفهم اللّه في النار، ومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: إنكم كنتم معنا أي بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك فكنتم تراءون الناس ولا تذكرون اللّه إلا قليلاً، وهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر اللّه تعالى به عنهم حيث يقول: { كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر} ؟ فهذا إنما خرج منهم على وجه التقريع لهم والتوبيخ؛ ثم قال تعالى: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا} أي لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهباً ومثله معه ليفتدي به من عذاب اللّه ما قبل منه، وقوله تعالى: { مأواكم النار} أي هي مصيركم وإليها منقلبكم، وقوله تعالى: { هي مولاكم} أي هي أولى بكم من كل منزل، على كفركم وارتيابكم وبئس المصير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق