إسلاميات

أولئك المقربون

زاوية من نور

الشعور بالقرب فضل يختار الله له الصفوة من عباده، واسمهم: {الْمُقَرَّبُونَ}، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10 – 11]، كان عيسى عليه السلام: {وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45].

والقريب من أسمائه تعالى القريب، وحين حكى سؤال الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربهم، قال: {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186]، ولم يقل: فقل لهم إني قريب؛ لأن من مقتضى قربه أن يخاطبهم مباشرة وذكر إجابة الدعاء؛ لأنها من مظاهر قربه بسمعه لهم، واطِّلاعه عليهم، وقدرته ورحمته.

ثم طلب منهم أن يستجيبوا له ويؤمنوا به، وهذا من مظاهر قربهم منه، واستحضار وجوده، وامتلاء القلب باستشعار ألوهيته، والتحقق بمعاني أسمائه الحسنى {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].

فمن تقرَّب منه شبرًا تقرَّب الله منه ذراعًا، ومن تقرَّب منه ذراعًا تقرَّب الله منه باعًا، وله الفضل والمنة؛ والقرب يعنى وجود فاصل بين العبد والرب؛ فالعبد عبدٌ، والرب ربٌّ؛ وفي التنزيل: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق: 16]، {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ} [الواقعة: 85]، وفي السُّنة: “أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ مَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ”. (رواه أحمد، والطبراني عن أبى موسي).

تعبير القريب يدل على الفصل والتمييز، وقطع دابر الأوهام والظنون والتلبيس، وحفظ مقام الألوهية، وعدم الخلط بينه وبين مقام المخلوقين؛ سواء كانوا من الملائكة أو من الأنبياء أو من غيرهم.

في الأثر المروي عن حارثة حين وصف حقيقة الإيمان، فَقَالَ: عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا، وَأَسْهَرْتُ لِذَلِكَ لِيَلِي، وَاطْمَأتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ يَتَضَاغَوْنَ فِيهَا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: “يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ” ثَلاثًا .

حين نحاول الاقتراب تتغير الأشياء والأفعال فنؤديها بسمو وحب وإيمان وذوق، وتتحول العادات إلى عبادات وقربات..

حين نحاول الاقتراب نفهم الكون بطريقة أفضل، وندرك طرفا من الأسرار والحكم في الخلق، ونستوعب اللطف الرباني في خلق الأنثى والذكر، السرور والألم، السعادة والشقاء، الحياة والموت، وفي كل ما قدَّر وقضى، وله الحكمة البالغة.

حين نحاول الاقتراب ندرك أن بركة الدعاء ليست مهدئا نفسيا يوصف لمكتئب، ولا وهما يتداوله درويش، بل تعامل واثق مع الله الذي بيده كل شيء، والذي وضع نواميس الكون ونظامه الدنيوي، وجعل من نواميسه اللُّطف والرحمة، يمضي بها قدر الله في الوقت والمكان الذي يشاء.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق