وطني

“أيام عصيبة” على سفارتي الجزائر وباريس!

التحقيقات تلقي بظلالها على العلاقات الدبلوماسية

تشير معطيات عديدة بأن النوافذ التي فتحتها الدولة الجزائرية على ملفات السياسة والمتابعات القضائية في طريقها لتمتد إلى فتح نافذة جديدة تطل هذه المرة على العلاقات الدبلوماسية، ومن شأنها أن تعيد ترتيب علاقات الجزائر بأحد أهم شركائها في المنطقة، فرنسا تحديدا على طاولة التشريح الدقيق.

عبد الرحمان شايبي

تعيش سفارتا كلا من الجزائر وفرنسا على وقع رنين هاتف “الاستدعاء” الدبلوماسي، انطلاقا من التحقيقات التي باشرتها العدالة الجزائرية بخصوص صفقات تجارية واقتصادية تعد بالآلاف اعتادت فرنسا أن يكون لها حصة الأسد فيها، غير أن ما يدفع على مخاوف اللجوء إلى “الخط الساخن” بين الجزائر ـ باريس هو مسائل تتعلق بالأمن القومي والسيادة الوطنية، في أعقاب تصريحات أطلقها قائد الأركان الفريق احمد قايد صالح من الناحية العسكرية الثانية بوهران قبل شهر، تناول فيها تحركات “مريبة” للمستعمر القديم، دون تسميته تستهدف أمن واستقرار الجزائر.

من المفارقات أن تكون فرنسا على الصعيد الاقتصادي أهم شريك تجاري للجزائر، بكتلة تجارية مست جميع مداخل ومخارج الاقتصاد الوطني، أن تحظى في المقابل ببعض من “الريب” في الشق السياسي، على الأقل لدى المواطن الجزائري وفي أوساط الطبقة السياسية، وهو الريب الذي يحول دون وضوح جلي لعلاقات البلدين بعيدا عن جراح “الذاكرة”، وحتى بعيدا عن حسابات التوازنات الإقليمية في المنطقة، حيث بقي مسار الجزائر ـ فرنسا مشوبا بالشك تارة، وفقدان الثقة تارة أخرى، مما دفع بقيادة البلدين في قصر المرادية، وقصر الإيليزي الاستمرار في التطلع إلى الأمام تحت غطاء “الضبابية”.

ومع أن باريس سارعت من اليوم الأول للحراك الشعبي في الجزائر للنأي بالنفس، إلا أن “غريزة” المصالح وتشابكها دفعت بالرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ليدلي بتصريحات من القرن الإفريقي حيث كان في زيارة إلى جيبوتي ثمّن فيها قرار الرئيس بوتفليقة بالتراجع عن الترشح، وتأجيل الرئاسيات “ورطت” فرنسا بشأن “نوايا” اهتمامها الزائد بما يحدث في الجزائر، مما أجبر بعدها الدبلوماسية الفرنسية عبر وزيرها للخارجية جون ايف لودريان من أمام الجمعية الفرنسية على محاولة تصحيح الاتجاه، وبأن كل ما تأمله بلاده هو أن يختار الجزائريون رئيسهم بسيادة دون تداخلات خارجية أيا كانت.

ومع ذلك لم تسلم فرنسا من لسان الحراك على مدار الأشهر الثلاثة الماضية، حيث حملها المتظاهرون جميع الويلات التي تقع بالجزائر، عبر شعارات المسيرات، وإحضار صور شهداء الحرب التحريرية الكبرى.

ولئن اعتبر مراقبون وملاحظون ذلك بالمنطقي لكون الجزائريين يستحضرون بـ “شدة” ملفات الذاكرة التاريخية كلما تعلق الأمر بالمستعمر القديم، إلا أن دخول قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح على خط  “معاداة” باريس منح للموضوع زخما سياسيا جديدا، في ظل المنحى الذي جاءت به تصريحات الفريق قايد صالح بأن جهات أجنبية لا يروق لها التحام الجزائريين وتظاهرهم السلمي الذي دفع جميع شعوب العالم إلى رفع القبعة عاليا للجزائريين، مثلما لم يرق لهذه الجهات دون تحديدها بالاسم تلاحم الجماهير ومؤسسة الجيش الأصيلة في الجزائر، ثم تصعيد قائد الأركان من لهجته اتجاه “المتآمرين” في اجتماع ضم قيادة الأركان بالجزائر العاصمة تحدث فيها بيان الجيش عن اجتماعات “مشبوهة” جمعت أيادي داخلية، بأخرى خارجية بهدف خلط الأوراق في البلاد، قبل أن يجدد قايد صالح اتهاماته لهذه الجهات الخارجية بتلميح صريح إلى جهة بعينها، قال أنها تتحرك بدوافع “تاريخية” لإرغام الجزائر على دخول نفق المرحلة الانتقالية بعيدا عن الحلول الدستورية والحلول الأخرى المتاحة.

وهي التلميحات التي أطلقت لسان الإعلام لتناول الموضوع بدقة وفق تسريبات أدارت أصبع الاتهام إلى سفارة فرنسا بالجزائر، وأن “الاجتماع المشبوه” الذي يكون حضرته شخصيات سياسية وعسكرية متقاعدة من الجزائر، يكون قد جرى تحت إشراف المخابرات الفرنسية.

وبرغم مسارعة السفارة الفرنسية إلى إصدار تكذيب رسمي لموضوع الاتهام بالتخطيط لفرض سياسة أمر واقع كحل وحيد للأزمة في الجزائر، إلا أن تكذيب السفارة قابله من الطرف الآخر توريط مباشر لسفير فرنسا بالجزائر “كزافييي دريانكور”، والذي أصبح يتم ذكره في بلاطوهات الإعلام وفي مواضيع تتصل بالحراك الشعبي، دونما حرج أو تحفظ.

وسبق لسفير فرنسا بالجزائر “كزافييي دريانكور” التطرق لمواضيع “مثيرة” أهمها إطلاقه لتصريحات تجاوزت أدبيات العرف الدبلوماسي تناولت اتهامه لكبار مسؤولين في الجزائر على أنهم “يغشون” في الملفات الحصول على التأشيرة، ومسؤولين آخرين في الدولة الجزائرية عالجوا في فرنسا دون أن يدفعوا فواتير العلاج، إلى جانب تصريح سابق خطير، مس الوحدة الوطنية، عندما تحدث عن عملية “استئثار” في منح التأشيرات لمنطقة بعينها في الجزائر على حساب باقي مناطق البلاد.

وشاب الحذر والترقب علاقات البلدين منذ مسيرات 22 فيفري، أملته الظروف الحساسة التي تمر بها الجزائر، وعموم منطقة شمال إفريقيا، مما رسم فتورا واضحا على خط الجزائر ـ باريس في انتظار انتهاز فرص جديدة لتهدئة التوتر وإعادة الدفء إلى حضن العلاقات بين البلدين، أو حدوث تطورات غير متوقعة من شأنها “تأجيج” النار المشتعلة حاليا في صمت بعيدا عن دائرة الأضواء بين البلدينن ليظل مصير علاقات البلدين محكوم بمنحى تطورات الوضع في الجزائر مستقبلا، وبالسيناريوهات المحتملة لتجاوز الأزمة السياسية الراهنة، والتي تخشى فرنسا أن يتم تسويتها عبر طرح مصالح المستعمر القديم في سلة المهملات.

ع ش

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق