العمود

أي زمن  لأية رواية؟…

التفكير بصوت عالي

يكثر الحديث عن هذا الزمن بوصفه زمن الرواية، وعن كون الرواية قد تحولت إلى ديوان العرب (والعجم أيضا) في مقابل مساحات فقدها ويفتأ يفقدها الشعر والشعراء، وهو كلام لا يخلو من صحة وان كان ليس صحيحا تماما بسبب كوننا لا نملك مراصد للدراسة والإحصاء مما يجعل كل تعميم تعتيما وكل مقولة ادعاء تقريبيا لا غير… إلا أن كل الناشرين يتفقون على أن نشر رواية يلاقي صدى خيرا من نشر ديوان شعري.

هنالك جاذبية أكيدة في الرواية قد تعود الى ما يذكره الفلاسفة المعاصرون من النزوع “الغريزي” صوب السرد، الحكاية نظام مغروس فينا على  ما يبدو ولهذا نروي حكايات باستمرار ونتحدث عما فعله غيرنا وعما نشعر به إزاء العالم، ونروي تفاصيل حياة الآخرين… كل هذا قد يكون غريزيا حسب بعض الدارسين…وهنالك من يصل إلى حد القول بوجود حقيقة روائية هي أهم من الحقيقة الواقعية التي نعيشها دائما والتي كثيرا ما يتضح أنها ليست الحقيقة فيتم استبدالها بغيرها ( امبيرتو إيكو).

يبدو لي من خلال الندوات التي أقيمها أو أشارك فيها أن هنالك بحثا عن معنى الحياة يرتبط بعملنا كروائيين؛ إذ تستوقفني بالتحديد نزعة موجودة في بعض من القراء ومن أصحاب الأسئلة يبدو أنهم الأكثر قربا من موضوع الرواية التي أكون بصددها، وقد تساءلت لماذا يكون في كل مرة المعني بالموضوع هو الأكثر شغفا بالنص؟ أليس من المفروض أن يكون هو أقل الناس اهتماما بها؟

إجابة السؤال تكمن بكل بساطة في أننا نمارس الحياة بشكل تلقائي وسريع ومتشابك،وهذه الصفات الثلاث تمعنا من خلق مسافة الأمان والتأمل الكافية لفهم ما نخوض فيه، لهذا يحتاج الناس إلى الروائي … هذا العالِم المتوفر لدينا والفيلسوف الذي نطاله بخيالنا ويطالنا بحروفه، هذا الأخ الأكبر الذي يجيد فهم ما يحدث لنا والذي يعيننا على فهم العالم وعلى اتخاذ القرار المناسب…هذا الخطيب الذي يعبر عن الشياء كما هي في صدرنا عالقة بلا كلمات.

على يد أخرى، وفي نظرة قريبة من الذات سوف أقول إن الرواية بالنسبة لي  – وكذا بالنسبة للقراء الشغوفين بها- بديل فني عن العالم بما فيه من نقائص ونشاز واعوجاج تطبع العادات بيننا وبينه… كذلك كانت روايتي “حالة حب”، على سبيل المثال، عالما يكشف مرارات الحب على أيامنا، ذلك الشعور باللااكتمال بالنسبة لمن يعيشون الحب في عالم معطوب هو عالمنا العربي الإسلامي اليوم… العالم الممزق بشكل رهيب، بتناقضاته ورغباته الجامحة، بفائض المعرفة الغرامية الذي يصبح عائقا أمام الحب، وبالرغبة الجامحة لدى الناس أجمعين في التعالي وفي ملامسة الأبدية من خلال “الحب”… ذلك الشعور العميق الذي نعرفه جميعا بحيث صرنا لا نعرفه تماما…الحب الذي في الروايات والكتب والأفلام… الحب المجنون الذي يفتح جميع الأبواب أمام الإنسان العادي كي يصبح أميرا أو ملكا أو إلها…

من مفترق طرق المعاني هذا انطلقت روايتي “حالة حب” تصور بلا ماكياج وبلغة تقترب من شعرية القلوب المتعانقة أو الراغبة في العناق، شعرية الأحلام والاستيهامات التي تحرك جوارحنا بغية محاورة جوانحنا فتنتهي بأن تحيي جروحنا… والتي تنتهي بفرض نفسها رغم كل عقبات العالم الحديث ببرودته وميكانيكيته وعدم احتفائه بالمشاعر وبالروح وبالرغبات الداخلية الفاعلة في الإنسان…

كخلاصة يمكننا أن نقول إن قراء الرواية يتمتعون بصفتين غائبتين عن الحياة وحاضرتين بشكل عجيب في الرواية: الحرية والديمقراطية… فالرواية تمنحنا لقطات ووضعيات نتحكم في فهم ظروفها وأفعالها بحرية غريبة ومغرية. ومن جهة أخرى تساوي الروية بين أناس مختلفين وتجمع بين دفتي الكتاب الواحد أصنافا من الناس لا يمكن للواقع أن يوحد بينهم؛ كل ذلك بطريقة ديمقراطية عجيبة… وهذا الانفتاح على العالم في إطار ممكناته هو الأمر الأكثر إغراء فيما يبدو لي في الرواية التي تحولت شيئا فشيئا إلى طريقة في التفكير… إلى نمط لغوي وبناء رمزي يسمح لنا بالتواصل وبالفهم وباختراع طرق للنظر إلى الأشياء… فهي لغة العصر بامتياز… ويغلب على الناس في زمننا ان يكتبوا رواية للتعبير عن أفكارهم ولقول ما هو صعب او مستحيل، او لتفسير ما هو واضح إلى درجات غير قابلة لتحليله وبلوغ أعماقه، فالرواية أحيانا تشكل مسافة ضرورية للنظر إلى الأشياء بشكل مختلف عن المألوف من أجل رؤية ما ننسى ان نراه او نتعود على ألا نراه.

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق