تحقيقات

إبادة الحيوانات الضالة في الجزائر بين الإبادة والتطهير…

الوحشية التي استصرخت الإنسانية المفقودة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منظمات ومبادرات أممية تدعو إلى الانتقال لبرامج “رحيمة”

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أثارت قضية إبادة الحيوانات الضالة وقتلها باستعمال الذخيرة الحية منذ أسابيع قليلة ببعض المناطق الداخلية من البلاد حفيظة الرأي العام وكذا الأطباء البياطرة، أين رفع مواطنون من ولاية خنشلة وعلى خلفية انطلاق حملة تطهير للحيوانات الضالة مطالب “بالرحمة” بعد تسجيل نقائص عديدة طالت الحملة التي خلفت وراءها حيوانات جريحة تعاني من عذاب الإصابة . وفي وقت مضى أثارت قضية “القالوفة” بمحشر بموعطي بالجزائر العاصمة غضبا عارما وسط المواطنين والبياطرة بعد تسرب صور وحشية وفيديوهات عن طريقة قتل الحيوانات الضالة بعد تعذيبها وتجميعها لتزيد من إسالة الحبر على قضية التطهير والإبادة التي تطال هذه المخلوقات ببلادنا كما عرفت مؤخرا مبادرات واقتراحات أممية أكثر رحمة واقل ضررا.

ـــــــــــــــ

 تحقيق: نوارة بوبير

ــــــــــــ

أخذت حملات الإبادة والتطهير التي تطال الحيوانات الضالة وخاصة القطط والكلاب في مجتمعنا منحى آخر، وبعد أن كان المواطن يطالب بتفعيل هذه الحملات وتكثيفها من اجل التقليل من هذه الحيوانات المنتشرة عبر الشوارع والأحياء والتي باتت تشكل مصدر خوف وقلق له في ظل انتشار داء الكلب عن طريق عضاتها، توجه نحو مطالبة السلطات المعنية “بالرحمة” وتحسين أسلوب هذه العمليات أو تغييرها بحثا عن حلول وبدائل أكثر مثالية وإنسانية وخاصة أن هذه الحملات التي تتم في وقت متأخر من الليل كثيرا ما تخلف وراءها حيوانات جريحة تصارع الألم والعذاب بسبب إصابات خاطئة ما يتنافى مع مواصفات الإنسانية.

حملات “إبادة” متواصلة تقتل الكلاب ولا تقضي على الكلب

انطلقت عمليات وحملات إبادة الحيوانات الضالة خلال شهر جويلية عبر عديد مناطق الوطن، ويتم تحديد مدتها بشهرين كأقصى تقدير وتتجدد بين شهري أكتوبر وديسمبر  تهدف من خلالها مصالح البلدية وباستعمال الذخيرة الحية للتقليل من عدد الحيوانات المتشردة وخاصة الكلاب التي كثيرا ما تتسبب في انتشار مرض الكلب، وبالتالي فالمساعي هنا واضحة تهدف إلى حماية المواطنين من خطر الكلاب والكلب على حد سواء حيث تنتشر ليلا وتتسبب في الرعب للناس كما يزيد خطرها كلما كانت تميل نحو العنف.

فقد ظلت هذه الحملات والبرامج التي تسطرها الجهات المختصة بالتنسيق مع كل الجهات المعنية على غرار جمعيات الصيادين والبياطرة ومصالح البلدية وقوات الدرك الوطني تشكل إجراءا روتينا تعود عليه العام والخاص، لكن استفاقة الضمير وزيادة الوعي بين الناس واكتشاف عدم نجاعة مثل هذه الحملات التي تحلت بطابع الوحشية في منظور المواطن وخاصة في حال تخليف مثل هذه الخرجات لحيوانات جريحة تعاني وتتعذب قد دفعت بالكثيرين إلى مطالبة الجهات المسؤولة لتغيير منهج الإبادة إلى منهج أكثر رحمة، كما توجه الأطباء البياطرة وخلال حديث لهم للأوراس نيوز إلى التأكيد على أن هذه الحملات لا تغني ولاتسمن من جوع فإضافة إلى كونها أساليب وطرق وحشية تستهدف حيوانات بريئة فهي غير ناجعة وأثبتت فشلها في كثير من الحالات، ولابد للمصالح المعنية حسبهم بان تغير طريقتها وتحاول حماية الحيوانات بدل قتلها بوحشية في ظل التطور الحديث ووجود مبادرات ومقترحات أخرى أكثر إنسانية أثبتت نجاعتها .

كما فتح رواد مواقع التواصل الاجتماعي وخلال الأسابيع الماضية النار على الجهات المكلفة بالحملة التي شهدتها ولاية خنشلة منذ أسابيع فقط بعد نشر وانتشار صور لحيوانات جريحة تعاني من الألم وتحاول الاختباء، وهي الصور التي أثارت حفيظة البياطرة أيضا ممن نادوا بالتوجه نحو طرق أكثر رحمة والتخلص من ملف ثقيل اسما ومعنى وهو ملف “إبادة الحيوانات الضالة الذي يعد إجراءا من إجراءات القضاء على الأمراض المتنقلة عن طريق الحيوان مقترحين تعميم وتوسيع حل التلقيح.

القالوفة… القطرة التي أفاضت كأس الضمير

أثارت قضية ما يعرف “بالقالوفة” السنة الماضية بلبلة وفوضى وسط الأطباء البياطرة وكذا المواطنين وبعض فعاليات المجتمع المدني بعد تداول فيديوهات وصور لحيوانات تتم إبادتها بمحشر بومعطي بالجزائر العاصمة بطريقة وحشية، ويتم صعقها بالكهرباء بعد بلّ أجسادها أو تجويعها حتى الموت وكذا تسميمها، في صور وحشية لا تتقبلها الروح الإنسانية ولا أخلاق الإسلام والعقيدة السمحة فرفع البياطرة نداءات عبر الفايسبوك دعمت بقوة من طرف رواده تحمل شعار  “أوقفوا القالوفة” كما بادر مواطنون آخرون بفتح مزارعهم وأراضيهم لإيواء هذه الحيوانات الضالة بدل قتلها ونظمت على اثر ذلك تجمعات واحتجاجات بقيادة أطباء بياطرة نادوا بضرورة تغيير هذا النظام.

واعتبرت القالوفة التي تعتبر عملية يتم من خلالها مطاردة وتجميع الكلاب والقطط الضالة ونقلها إلى محشر بومعطي لتطهير وشارع العاصمة وأحياءها من هذه المخلوقات، القطرة التي أفاضت كاس الضمير والإنسانية وخاصة أن هذه القضية قد سلطت الضوء على جوانب أخرى لها علاقة بنظام التسيير ومدى ارتباط عمليات الإبادة بالجانب المادي ولازالت تحمل الكثير من الغموض في ظل سياسة التعتيم التي تمارسها مصالح البلديات، ولعل ذلك السبب في الركض وراء حملات الإبادة بدل البحث عن حلول أكثر إنسانية ورحمة وأقل وحشية.

غياب منظمات تحمي الحيوانات زاد الطين بلة

أكدت السيدة نزيهة أونيسي مفتشة بيطرية بمصلحة مكافحة الأوبئة ولاية خنشلة سابقا أن غياب منظمات وهيئات تحمي الحيوانات من الاعتداءات التي تطالها زاد من تدهور الوضع، حيث يسعى البيطري حسبها إلى حماية الحيوان الضال بدل قتله وهو الأمر الذي يستصعب استيعابه من طرف الكثيرين لغياب الوعي التام بحقيقة حملات الإبادة، حيث أكدت أنها كانت من الذين رفضوا تلك القالوفة وما شابهها من عمليات إبادة وحشية وغير إنسانية للحيوانات الضالة في إطار تخصصها، كما أثارت قضية الكلاب التي نشرت صورها مؤخرا حفيظتها وحفيظة كل بيطري “إنسان” وعليه فإن الانتقال إلى مرحلة أخرى أكثر رحمة هو المطلوب والمنشود.

حيث تؤكد انه يجب التركيز على الجانب الإنساني الذي يؤكد أن عمليات الإبادة أثبتت فشلها في كثير من الدول، وليست الطريقة الأنسب للقضاء على داء الكلب إذ يتم تسجيل حالات رغم حملات إبادة تتم سنويا وفق برنامج منظم كما تلعب عملية التلقيح التي تسهر مصالح البيطرة على تنفيذها وتطبيقها رغم احتشامها دورا هاما في التقليص من نسبة الإصابة بداء الكلب لدى الحيوان ومنع انتقاله للإنسان وهو المطلوب.

مقترحات ومبادرات أممية لاقت النجاح وتترقب التعميم

وأضافت السيدة نزيهة أن بعض المبادرات الأممية المقترحة من طرف كل من منظمتي الصحة العالمية ومنظمة الصحة الحيوانية قد توجهت إلى ضرورة التخلص من هذه الطرق البدائية الوحشية في القضاء على الحيوانات الضالة من اجل القضاء على الكلب، ومن بين المشاريع المقترحة التي آتت أكلها بدول أخرى برنامج التلقيح الذي يتضمن تدريب وتعليم أعوان في التخصص للقبض على هذه الحيوانات تلقيحها ووضع عقد على عنقها حتى يعلم الجميع أنها آمنة، وفي هذه الحالة سيتراجع شعور الإنسان بالخوف منها ومهاجمتها حتى تتراجع هي الأخرى عن السلوك العدائي وبالتالي تصبح علاقة تعايش سلمي بينهما.

وقد أثبتت هذه التجربة نجاحا كبيرا في ماليزيا حيث يتم تلقيح الحيوانات الضالة ووضع عقد على كل واحد منها يبين انه حيوان تلقى جرعة التلقيح الخاصة به فيصبح أكثر أمانا وغير مسبب للأمراض، وقد تم اقتراح الفكرة هنا في الجزائر حسبها بعد اجتماع ضم عديد البياطرة من الوطن بتقنية الحوار المرئي عن بعد، وأشرف عليها مختص من منظمة الصحة الحيوانية قدم تعليمات حول المشروع المذكور الذي يهدف إلى القضاء على حملات الإبادة واستحداث طرق أكثر أمانا وسلامة ورحمة وله نتائجه الايجابية الحالية والمستقبلية.

كما انطلقت تونس الشقيقة في هذه المبادرة باعتبار تواجد مقر المنظمة المذكورة المكلف بشمال إفريقيا بها منذ  قرابة خمس سنوات وطبقت برنامج  تلقيح الحيوانات ووضع حلقات على أذنها ليتعرف عليها الناس، كما تم استخدام طريقة “تعقيم” هذه الحيوانات أي جعلها عقيمة من أجل التقليل من تكاثرها، وتكفل بتطبيق البرنامج طلبة البيطرة تحت إشراف الجهات المخولة  بذلك وتم تدريبها على طريقة القبض على الحيوانات وتلقيحها.

كما أكدت الدراسات التي تم إجراءها بماليزيا حسب ذات المصدر أن برنامج التلقيح قد كلل بالنجاح ولم يتم تسجيل أي حالات للكلب، وفي نفس الوقت قضى على مثل تلك السلوكات الوحشية التي لا تمت للإنسانية بصلة حيث صارت الكلاب أكثر أمانا وازداد شعور الإنسان المتواجد في نفس الوسط بالارتياح كلما لاحظ العقد المربوطة حول رقبة الكلب إذ تدعم منظمة الصحة الحيوانية هذا المشروع بقوة وتسهر على إنجاحه وتوفيره مجانا لكافة الدول وبالتالي تلقيح الحيوانات الضالة لمنعها من نشر الأمراض بين الناس.

اليوم العالمي لمكافحة الكلب موعد تلقيح حيوانات وتنقيح نظام و”عقليات”

تحيي الجزائر على غرار دول المعمورة اليوم العالمي لمكافحة داء الكلب المصادف ل 28 سبتمبر من كل سنة بإطلاق حملات تلقيح ضد الكلب عبر عديد الولايات وكافة النقاط المختصة في هذا المجال، وترتبط العملية التي تخصص لها الدولة مجهودات جبارة باليوم العالمي الذي أكد بياطرة انه يجب أن يتحول إلى نقطة تغيير جذري في نظام تطهير وإبادة الحيوانات الضالة، التي تكلف هي الأخرى الخزينة مبالغ مالية كبيرة وتشوبها عدة شكوك وعلامات استفهام.

وقد وفرت ولاية خنشلة حسب مصادر بيطرية وخلال حملة التلقيح الجارية المنطلقة منذ شهر أكتوبر الماضي حوالي 2000 جرعة لقاح، تم توزيعها على البياطرة الخواض وكذا العامين من اجل تفعيل وإنجاح حملة التطعيم والتلقيح التي مست عديد النقاط بالولاية وتزامنت مع حملات تلقيح المواشي، فاللقاح الذي توفره الدولة ولم يعد من الصعب تسخيره لمثل هذه الحملات يعد هو الآخر انطلاقة هامة تعتبر خطوة كبيرة وعملاقة رغم أنها معتمدة منذ سنوات لكنها يجب أن تعمم وتدعم بنظام “العقود” حتى تزيد من خلق نوع من الارتياح والاستقرار في المحيط الذي يعيش فيه الإنسان وتتواجد به بعض الحيوانات الضالة.

وبالتالي التخلص من السلوكات غير الإنسانية والحملات الوحشية التي باتت تثير قلق الرأي العام وتفجر غضبه، وخاصة أن مثل هذه الحملات ورغم مداومة مصالح البلدية عليها لم تتمكن فعلا من القضاء بشكل كلي على الكلاب الضالة، في ظل غياب وعي تربيتها وطريقة الاهتمام بها بين الناس وخاصة في الأرياف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.