العمود

إنه إلى سليمان وإلى أتباع سليمان

وجب الكلام

تحضرني وأنا أتابع مقطع فيديو “للمثقف” سليمان بخليلي حوارا طريفا بين صديقين لي قبل سنوات، حيث أن أحدهما كان قد اقتنى جوالا عندما كان الهاتف النقال حديث العهد في الجزائر، وكانت تسعيرة المكالمات حينها غالية نوعا ما، وما كان من صديقي الآخر إلا أن يستعير منه الهاتف ليتعرف على مميزاته، ولأن الهاتف كان يبدو شيئا غريبا فقد أراد صديقي الثاني أن يجرب القيام باتصال فكلم صديقا له وأطال الحديث، وفي خضم كلامه قال لصديقه “شفت انا راجل نعيطلك ونسقسي عليك؟” حينها نطق صديقي الأول قائلا بلهجة ساخرة “راجل بدراهم الرجال؟”
وأنا أتابع خطاب “بخليلي” اكتشفت أنه لا يختلف عن صديقي الثاني، فكلاهما يفاخر بما ليس له، فالمثقف الذي عرف بحصة “خاتم سليمان” في سنوات التسعينيات لم يطلب من “معجبيه” مساندته من أجل أن يصبح رئيسا فيقدم ما يمكنه تقديمه في سبيل النهوض باقتصاد الجزائر ولا من أجل إيجاد حلول جذرية للأزمات التي تتخبط فيها البلاد كل مرة، ولم يطالب معجبيه بالتوقيع له من أجل أن يتمكن من دخول غمار المنافسة على كرسي الرئاسة والعمل على تحمل مسؤولية شعب وأمة، بل إن “بخليلي” قد بدا في مقطع الفيديو وكأنه يحضر معجبيه ومتابعيه لإقحامهم في معركة ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل، بل هي معركة تدخل في إطار تصفية الحسابات الضيقة، فبخليلي الذي يقال أنه “مثقف” اتضح أن ثقافته لا تتعدى حدود مصلحته الشخصية، كيف لا وهو من اختزل مفهوم الانتخابات ومفهوم الترشح في كونه تحديا لشخص ربما كان قد “خطف منه” حقيبة وزارية في زمن بوتفليقة وعصبته، ولهذا فلم يترشح بخليلي عندما ترشح “مول البابيون” ليوريه حجمه رغم أن ذلك ما جعل من الانتخابات مضحكة وكان على بخليلي حينها أن يترشح لينقذ الانتخابات خاصة وأنها في نظره أمر جلل، ولم يترشح بخليلي في الوقت الذي ترشح فيه الكثير من التافهين ليوريهم حجمهم وينقذ الانتخابات ولم يترشح عندما ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة ليوريه حجمه وينقذ الانتخابات رغم أن ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة كان أكثر ما هوى بسمعة البلاد وسمعة الانتخابات إلى الحضيض، لهذا فقد تبين أن ترشح بخليلي ليس يهدف إلى إنقاذ الانتخابات كما ادعى، بل إن ترشحه لا يتعد كونه “تحديا” شخصيا لشخص معين كان كما أسلفت الذكر قد خطف منه حقيبة وزارة الثقافة في الوقت الذي كان بخليلي ينتظر أن تقدم له على طبق من ذهب باعتباره “سليمان المثقف”.
لا ننكر أن “سليمان بخليلي” يمتلك قاعدة جماهيرية وأقول قاعدة جماهيرية ولا أقول قاعدة شعبية، إلا أن القدرة على تقديم برامج تلفزيونية لا تعني بالضرورة القدرة على “تسيير شؤون أمة”، والقدرة على التحكم في الألفاظ بفصاحة لا تعني بالضرورة القدرة على التحكم في زمام الأمور في السياسة والدبلوماسية واتخاذ القرارات الصعبة في الوقت المناسب، فالجزائر بحاجة لمن يمتلك حنكة في تسيير الأمور لا من يملك “ملكة قراءة”، ورغم ذلك فبخليلي لم يحترم جمهوره وراح يطلب منه أن يتحول إلى “جنود” يعينونه في تحدي “أحمق” ضد “خصم” من أجل تصفية حساب قديم “ضيق” ، وأنا أرى أنه من الإهانة أن يطلب “مثقف” تواقيع معجبيه فقط كي “يوري خصمه” حجمه، ولا يحصل الموقعون على نتيجة من ذلك أكثر من معرفة من “جمع أكثر”، أي أن بخليلي لم يخرج بعد من منطق “التاغنانت” وكلنا يذكر كيف أنه حاول أن يتحدى “ريفكا” بحشد ضعف ما تمكن الأخير من حجدده إلا أن بخليلي اعتذر في الأخير وتراجع عن التحدي مرجعا تراجعه لأسباب أمنية، لهذا فأظن أنه من التفاهة بل ومن الأمور التي تنزل بصاحبها إلى الحضيض أن يختزل مصير أمة باختزال مفهوم الانتخابات في “تحدي شخصي”، وأرى أن من لا زال يفكر بمنطق “التاغنانت” ومن يحاول أن يلفت إليه الأنظار بتحديات سخيفة لم ينضج بعد وليس بينه وبين ريفكا أي فرق وبالتالي فمما لا شك فيه أنه غير مؤهل لأن يترشح كيف أن يكون رئيسا؟ وأرى أيضا أن من يقبل أن يوقع لشخص من أجل أن يتحدى بتوقيعه شخصا آخر في إطار “التاغنانت” لا يتعد كونه مقامرا وهذا ما لا يؤهله لأن يكون ناخبا يتطلع لأن يكون جزء من الأغلبية التي من شأنها أن تقرر مصير “أمة”، لهذا فكفى عبثا وكفى رداءة وكفى عفنا وكفى تصفية حسابات ضيقة بطريقة حقيرة باسم “الشعب” والمعجبين والمحبين المساندين.
حمزة لعريبي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق