إسلاميات

ابتلاء الموت والحياة..كل نفس ذائقة الموت

قال تعالى:﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ سورة آل عمران الآية 145

لا يعرف حقيقة الموت من لا يعرف حقيقة الحياة، وإن معرفة حقيقة الحياة بمعرفة حقيقة الروح نفسها وإدراك ماهية ذاتها، وهذا لم يؤذن التكلم به لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عن سواه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]، فليس لأحد من الباحثين أن يكشف عن سر الروح، وإنما المأذون فيه لهم ذكر حال الروح بعد (الموت)، فالموت ليس انعدام الروح وانعدام إدراكها، ولا هو تعطيل أعضاء الجسم كما يعرفه الماديون وسواهم، ولكن (الموت) تغير حال فقط.

والأدلة على ذلك من الكتاب الكريم آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169] ومن الأحاديث ما رواه مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى عليه وسلم نادى صناديد قريش يوم قتلوا في وقعة بدر فقال: يا فلان، يا فلان، يا فلان، قد وجدت ما وعدني ربي حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فقيل يا رسول الله أتناديهم وهم أموات؟ فقال: والذي نفسي بيده إنهم لأسمع لهذا الكلام منكم، إلا أنهم لا يقدرون على الجواب.

فهذا حديث صحيح ونص صريح في بقاء روح الشقي وبقاء إدراكها ومعرفتها، والآية قبله نص في بقاء أرواح الشهداء، وهل عِلْم الماديين والطبيعيين أرقى وأسمى وأوسع مقياساً من علم هذا النبي الذي استمد علمه من عالم السماء؟! والذي أتى بكتاب لم يزل العلم المادي عاجزاً عن حل رموزه وكشف كنوزه إلى يومنا هذا؟ فهو يثبت أن الإنسان إنسانان، إنسان ترابي مادي، لا فرق بينه وبين سائر الكائنات المادية، وإنسان لطيف روحاني، له ميزة على سواه من كافة المخلوقات الأرضية، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70] وهم يقولون لا فرق بين الإنسان وبين غيره من الكائنات السفلية ولا ميزة له على سواه من سائر الأنواع الحيوانية، بل ليس هو في ذاته إلا حيواناً فاق في قوة التعقل غيره من بني نوعه (أي الحيوانات)، فأي الفريقين خير مقاماً وأعظم هدى ورشداً؟!

هذا، ومما يدل دلالة صريحة على أن (الموت) تغير حال فقط، قول الرسول أيضاً فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد (القبر إما حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة) فهذا نص صريح أيضاً على أن الموت معناه تغير حال، لا انعدام الروح وانعدام مواهبها، وسيطلع علينا علماء استحضار الأرواح – ولهم كثير مما يناصر الدين – بما يحمل المادة وعلماءها على الإيمان بما ذكرنا والإقلاع عن مذهب العدم والفناء، وكل آت قريب ﴿ ِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 6، 7].

للعلماء في حقيقة الموت أقاويل عدة وتعاريف شتى كلها مستندة إلى ظنون كاذبة، ونظريات واهية، “فالطبيعيون” يقولون إن الموت هو العدم، فإذا مات الإنسان فقد انعدم بكليته وانحلت أجزاؤه إلى عناصرها الأولى، وأنه لا حشر ولا نشر ولا خلود بعد هذا العالم.

و”الماديون” يقولون: إن الموت عبارة عن توقف القلب عن الحركة وسكون الدم عن الدوران في بدن الإنسان وتعطيل الأعضاء الرئيسية عن القيام بوظائفها كالقلب والكبد والمعدة والأمعاء.

و”الملحدون” يقولون: إن موت الإنسان كموت الحيوان وجفاف النبات، وإن من مات لا يتألم بعقاب ولا يتنعم بثواب، وأنه لا حياة بعد هذه الحياة، ولا خلود للأرواح.

وقد مر بالقارئ الكريم ما نطق به القرآن والحديث من أن الموت معناه تغير حال فقط، وانتقال الروح من برزخ إلى برزخ آخر، وأنها باقية بعد مفارقة الجسد إما منعمة وإما معذبة، وأنه لم يتعطل بالموت إلا الجسد الترابي الكثيف، الأمر الذي يدلنا على أن أعضاء البدن الرئيسية كالقلب والكبد والمعدة والأمعاء وسواها من الأعضاء، كانت آلات للروح تستعملها كما يستعمل صاحب الحرفة آلات حرفته، فإذا ما تقادم عهدها وعجزت عن الاستعمال، فصلها عنه (وانفصل هو عنها) وألقاها قصد أن تنحل إلى عناصرها الأولى﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة: 8].

محمد صالح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق