الأورس بلوس

احفر واردم؟!

لكل مقام مقال

بالرغم من أن عمليتا “الحفر” و”الردم” تتصدران أهم التقنيات المتعلقة بقطاعات الصناعة والزراعة والأشغال العمومية (على العموم)، وكذا “الدفن” الذي يُكرم به الميت “تعجيلا”..إلا أن فعلي الأمر “احفر” و”اردم” في المفهوم الشعبي الجزائري يتعلقان بالإهمال والتحايل و”الخبث” والحرص على إخفاء العيوب دون التخلص النهائي منها أو محاولة إصلاحها الفعلي..فنقول “احفر واردم”..وهناك من يتحين الفرص ويصطاد في “المياه العكرة” فنصفه بهذا المثل الشعبي “احفر واردم”..وقد نقوله تعبيرا عن عدم الإتقان..ويعتبر هذا المثل مرنًا إلى درجة أنه يحمل معان متعددة ومتضادة..فيُفهم المقصود من خلال “سياق” الكلام..
ولعل هذا المثل في أصله يعود إلى العملية الغريزية للقطط التي تعمل بكل حرص على ردم “فضلاتها” عن طريق الحفر باعتبارها الحيوانات الوحيدة من تفعل ذلك ولسبب يفسره العلماء على أنه خوف من هجوم “محتمل” فإن القطط تخفي “آثار” وجودها..لهذا ينسب المثل للقطط حيث أنه يذكر مبتورا “كي القط احفر واردم” و”كي” أداة تشبيه جزائرية بامتياز بمعنى “مثل”..وإن كان القط يحفر ويردم بفعل الغريزة..فإن للبشر مذاهب في عقيدة الحفر والردم..التي هدمت مبادئ وصنعت مطبّات في كثير من الأحيان..بل وعقّدت ما هو سهل وبسيط..
من المفارقات أن توصف مشاريع عملاقة عندنا لكونها “تقزّمت” والتهمت أموالها بـ “احفر واردم”..ومن المفارقات أن يعايش المواطن الجزائري هذا المثل تحديدا يوميا وهو يصبح ويمسي على عمليات حفر الطرقات وردمها التي تحولت إلى عادة تتكرر على مر الفصول والمسؤولين..
وغير بعيد عن المعنى المتعارف لهذا المثل “احفر واردم” دلالة أخرى على وجود مشقة دون فائدة تُذكر لتكرار الفعل بحثا عن نتيجة مُرضية كالمحكومين بالأشغال الشاقة في بعض البلدان حيث يقضي السجين يومه يحفر دون جدوى ويردم كذلك..وقيل أن للمثل ارتباط وثيق أيضا بالحمار الذي يحمل أسفارا ولسبب ما تم “تنطيق” الحمار أو في قراءة للغته التي كانت إيحائية للأجداد فزعموا أنه عندما يمشي ضاربا في الأرض يقول عند كل خطوة يخطوها “احفر واردم”..يعني “ما يهمّوش”..
“احفر واردم”..يضرب هذا المثل للدلالة على غياب المسؤولية وكذا عدم الاكتراث للنتائج وكل ما قيل سابقا من معان..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق