العمود

استغباء ذكي

يحكى أن خادما في إحدى القصور الملكية في القديم كان يسهل دخول “شخص آخر” إلى القصر، حيث كان الخادم يملك عربة يجمع فيها القمامة طوال الليل ويخرج بها في الصباح ليرميها في مكان بعيد بالغابة، وكان يخفي الشخص الغريب في صندوق العربة المليء بعتاد التنظيف ومختلف الخردوات الأخرى، ولأنه كان خادم القصر فإنه كان يمر عبر البوابة الرئيسية بكل سهولة ويركنها في مكان ما لا تطاله أعين الحراس فيترجل الشخص الغريب ليبدأ سرقة أي شيء ثمين يصادفه في القصر ليقتسم في الصباح الغنيمة مع الخادم، ومع مرور الوقت انتبه سكان القصر إلى أن هناك أمرا مريبا وأن هناك لصا محترفا يتجول بكل حرية في القصر، لكن الحراس عجزوا عن القبض عليه، ومرت الأيام والشهور والأمر على حاله حتى غضب الملك من تفشي السرقة في قصره ومن عجز حراسه عن إلقاء القبض على اللص، فقام بنشر إعلان في كل أنحاء القصر مفاده أن من يقوم بحل اللغز والقبض على السارق سيحظى بالجائزة التي يريد، وبعد أيام فقط، قام الخادم بإدخال اللص كعادته وعندما هم الأخير بالانصراف إلى عمله ضربه الخادم بأداة حديدية على رأسه وأرداه قتيلا، ففرح سكان القصر واعتبروا الخادم بطلا فأمره الملك أن يختار جائزته بناء على ما جاء في الإعلان فقال الخادم أنه يرغب في أن يصبح قائدا للحرس وكان له ذلك طالما أن القائد الحالي قد فشل في عمله المتمثل في حماية القصر.
أظن أن الأمر نفسه يحدث في بلادنا، فالمسؤول الثاني يغض الطرف عن كثير من التجاوزات التي يقوم بها المسؤول الثالث بل ويمهد الطريق له ويسهل له المهمة في ممارسة التجاوزات وارتكاب الحماقات، وعندما تفوح رائحة الغباء يتدخل المسؤول الثاني بكل ذكاء ويوبخ المسؤول الثالث لينال رضا المسؤول الأول، وهكذا تتم عملية الاستغباء بذكاء ويصبح المسؤول الثاني بطلا على حساب المسؤول الثالث، لهذا فأنا أرى أن المسؤولية في بلدية ما أو دائرة ما يتقاسمها المسؤولون جميعهم، لأن المسؤولية الحقيقية هي التي تتم بالتنسيق بين المسؤولين ككل وفي حال حدوث خطأ ما أو حماقة ما فإن النتيجة يتحملها المسؤولون ككل ولا مجال لاعتبار فلان “خادما بطلا” وعلان سارقا محترفا.

عبد العالي بلحاج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.