إسلاميات

اغتنام آخر أيام الشهر الكريم وأداء زكاة الفطر

قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ سورة الشورى الآية 47

كنا قبل مدة نتحدث عن قدوم رمضان، واستبشار المسلمين بفضائله، وعظيم قدره، وضرورة اغتنام نفحاته، وها نحن اليوم نتحدث عن وداعه، وسرعة انصرامه، فهل استجبنا لداعي الخير الذي علمناه رمضان؟ والله – تعالى – يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: 47]، إنما هي الأعمار تفنى، والأيام يشد بعضها في بعض.

وليس الصيام خاصا برمضان، بل هو تدريب لصيام كل المناسبات والمحطات الذي حببها الله عز وجل ورسوله الكريم لصيامها؛ قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” أحَبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود – عليه السلام – وأحبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وكان ينام نِصفَ اللَّيل، ويقوم ثُلُثَه، وينام سُدُسَه، ويصوم يومًا، ويُفطر يومًا”؛ متفق عليه.

ويقول – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ” ما من عبدٍ يصوم يومًا في سبيل الله، إلاَّ باعَدَ الله بذلك اليومِ وجهَه عن النار سبعين خريفًا”؛ متفق عليه.

2- وإن تعودتَ في رمضان على البَذْل والعطاء، وتفطير الصائمين، والتصدُّق على المحتاجين، فهلاَّ بقيت على هذا العهد بعدَ رمضان، فأطعمتَ الجِياع، وكسوتَ العراة، وواسيتَ المرضى؛ يقول النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهدِ في سبيل الله، أو القائم الليل، والصائم النهار”؛ متفق عليه.

3- وإذا تعودتَ في رمضان قيام اللَّيْل، واستمتعتَ بما شرَّفك الله به من الوقوف بين يده، فهلاَّ حافظتَ على هذا الشرف خارجَ رمضان.

عن سهل بن سعد – رضي الله عنهما – قال: جاء جبريل إلى النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقال: “يا محمد، عشْ ما شئتَ فإنَّك ميِّت، واعملْ ما شئتَ فإنَّك مجزِيٌّ به، وأحببْ مَن شئتَ فإنك مفارِقُه، واعلم أنَّ شرفَ المؤمن قيامُ الليل، وعزَّه استغناؤه عن الناس”؛ رواه الطبراني في الأوسط، وهو في صحيح الترغيب.

4- وإذا تعودت في رمضان ارتياد المساجد، ـ وإن كان لرمضان هذا العام استثناء غلقها بسبب الوباء ـ وحضور الجماعة، فهلا واظبت على الطريقة بعد رمضان، ورسولنا الكريم – صلَّى الله عليه وسلَّم – يبشرنا ويقول: “ما تَوطَّن رجلٌ مسلِم المساجدَ للصلاة والذِّكْر، إلاَّ تَبشبَش الله له (تلقَّاه ببرِّه وكرمه) كما يتبشبش أهلُ الغائب بغائبهم إذا قَدِم عليهم”؛ صحيح سنن ابن ماجه.

فإذا واظبت على الصلاة في الجماعة، جَعَل الله لك من الحِفْظ والصيانة والأجر ما لا يظفرُ به إلا محب لربه، عالم بقدره؛ يقول النبي – صلَّى الله عليه وسلم -: “مَن صلَّى البَرْدَين (الفجر والعصر) دَخَل الجنة”؛ متفق عليه، ويقول – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “مَن صَلَّى الصبحَ فهو في ذِمَّة الله (ضمانه وأمانه وحفظه”؛ مسلم، وفي حديث آخر: “مَن صلَّى الصبح في جماعة، فهو في ذمَّة الله”؛ صحيح الترغيب.

ويقول – صلَّى الله عليه وسلَّم -: “مَن صلَّى العِشاءَ في جماعة، فكأنَّما قام نِصفَ اللَّيْل، ومَن صلَّى الصبحَ في جماعة، فكأنَّما صلَّى الليل كلَّه”؛ مسلم.

5- هل سألتَ نفسك – ورمضان قرب على الرحيل ـ هل أنت من المسرورين، أم من المحرومين؟ هل صنتَ صيامك، وجَوَّدت قيامك؟

قال الحسن البصري – رحمه الله -: “إنَّ الله جعل رمضان مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه إلى مرضاتِه، فسبق قوم ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابوا، فالعجبُ من اللاَّعب الضاحِك، في اليوم الذي يفوز فيه المحسِنون، ويخسر فيه المبطلون”.

فإن آنست من نفسك أنَّك كنتَ مقصِّرًا، فلا تحزن، فأمامك ليلة أخرى وتر، هي ليلة التاسع والعِشرين، فاغتنِمْها بكثرة الصلاة والدُّعاء، وقراءة القرآن ليلا ونهارا، والتحصُّن من الوقوع فيما يخدش في صومِك وقيامك، والله يتولاَّك ويرعاك، و﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: 104].

ولا خلاف في ارتباط زكاة الفطر بهذا الشهر الكريم وهي واجبة على من له كفاية يوم العيد، ولذلك يخرجها الفقير ولو كان يأخذها من غيره، إذا اكتفى في هذا اليوم.

وشُرِعت نشرا للمحبَّة والإخاء بين الناس، وإدخالا للسرور عليهم، وتزكية للبدن، وتطهيرا له مما قد يكون الصائم قد ارتكبه من خلل في رمضان.

عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: “فَرَض رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – زكاةَ الفِطر طُهرةً للصائم من اللغوِّ والرفث، وطُعمةً للمساكين”؛ صحيح سنن أبي داود.

ويؤديها عن نفسه، وعمَّن يُنفق عليه؛ لحديث ابن عمر – رضي الله عنهما -: “أَمَر رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – بصَدقةِ الفِطر عن الصغير والكبير والحرِّ والعبدِ ممَّن تمونون”؛ رواه الدارقطني، وهو حديث حسن، ويدخل في ذلك الجنين في بطن أمه، والمطلقة رجعيا إذا كانت في عدتها، والخدم غير المأجورين.

وهي صاع (أربعة أمداد) من غالب قوت أهل البلد، وهذا هو الأصل، وقد يعدل عنه لإخراجها نقدا إذا كان ذلك أنفع للفقير.

وأفضل أوقاتها: بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان، إلى حين خروج الإمام لصلاة العيد، والأفضل أن تؤدى صباح العيد، قبل الصلاة، فإذا أُخرجت بعد الصلاة صارت صدقة من الصدقات؛ لحديث ابن عباس السابق: “مَن أدَّاها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات”، وعند المالكية أن من أخرها بغير عذر فهو آثم، غير أنه يرخص في تقديمها بيوم أو يومين؛ لقول عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما -: “وكانوا يعطون قبل الفِطر بيوم أو يومين”؛ أخرجه البخاري.

د.محمد ويلالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق