ثقافة

الأرشيف يُساوم على الاندثار بولاية باتنة

دور ثقافية لا تقوم بمهامها في تخليد بصمات أعلامها

يبدو أن المسار الثقافي لولاية باتنة وإن كان على الأغلب يحمل العديد من الهياكل التي تمس مختلف قطاعاته إلى جانب دور الثقافة والجمعيات التي تناضل من أجل إبقائها على صفيع هادئ لم يشفع لها أن تكون فقيرة من “روحها” التي أضحت ترتب موعدا مع اللامبالاة في كل مرة يترجل فارس من فرسانها عن الساحة الثقافية والفنية، أو أولئك الذين لا يزالون يراهنون على الاستمرارية والمد رغم كل الظروف المحيطة التي لا يزالون يعيشون فيها، وعلى الرغم من ذلك لا يزال عطائهم نبيلا وغير محدود، غير أن الورقة التي لا تزال تحتاج لأن تكون رابحة غطت على كل المنافذ التي يمكن من خلالها أن تكون لباتنة ثقافة مبنية على حفظها و”أرشفتها” من قبيل احترام من قدموا لها العديد من الخدمات، وتخليد بصماتهم، فهل هذا بالنسبة لعاصمة الاوراس حلم مؤجل، وهل أضحت دور الثقافة لا تقوم بمهامها في تخلد بصمات أعلامها؟.

لا يختلف اثنان في كون الثقافة تعد قطبا اشعاعيا بولاية باتنة، تخرج على يدها العديد من الأسماء التي لا تزال لامعة في سمائها، على غرار الكتاب والشعراء والممثلين والموسيقيين والمغنيين والملحنين والسينمائيين والقائمة تطول ولا تقصر سواء في الذين وضعوا بصمتهم وغادرون أو الذين لا يزالون يكابدون من أجل إعلاء الفن الثقافي في ولاية باتنة، ففي أولى المحطات التي تصادف الباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي، لا يعدو أن يجد وهو يتنقل من دار ثقافية إلى أخرى، شحا معرفيا ومعلوماتيا فيما يتعلق بأعلامها، فان كانت الأجيال الماضية احتكت بمثل هذه القامات فإن صورتها وصوتها لم يعد له أثر كبير خاصة إذا ما لم تقدم له “سير ذاتية” تؤرخ وتأرشف لهم نظير ما قدموه من أعمال وجب تخليدها، فلم تمر أحداث حملت من المأسي والآلام لفقدان أحد هذه الاعلام إلا وتجد بداية البحث عنها أصعب، والكتابة عنها لن يكون بالأمر الهين، وتحضرني هنا العديد من الأسماء الثقيلة المسرحية التي غادرت إلى مثواها الأخير، كالصالح لمباركية ومحي الدين بوزيد ونحن في رحلة البحث عن تفاصيل حياتهم لم نجد في أغوار مكتبة المسرح أرشيفا لهم وهم على قيد الحياة، حتى يتسنى الكتابة عنهم بحكم أنهم أبناء ترعرعوا داخل خشبة المسرح، دون أن نغفل أن المسرح وحده لم يكن ليأخذ التهمة دون أن نلحق له دور الثقافة والجمعيات المهتمة وبكثرة أعدادها التي تعمل على إعلاء راية الفن والثقافة والأدب، فكم من فنان غادرنا وكم من أديب وشاعر وفوتوغرافي ومغني فوته الأرشيف عنا، فلم نعثر لحد الساعة عن أرشيف يقدم أعلام المنطقة، وعلى قائمتها الفنان نزار نواري، سعد الدن حب الدين، الدردور، ديهيا، مركوندة، ميهوب، عميروش، جمال طيار، بوساحة أحمد، بوعلي خالد، بورزام عبد المالك، بودوح  السبتي، بولبينة العربي، بومعراف فاطمة، سليم وعبد المالك سوهالي، تابليت عمر، تيبرماسين فاكيهاني، مرداسي، حمودة بن ساعي، وغيرهم من الذين خدموا مختلف الفنون وآدابها المتعلقة بالثقافة، وهي الأسماء التي يعتريها الإهمال “أرشيفيا”، سواء كانوا على قيد الحياة أو الذين غادرونا.

فإذا كانت مهمة الجمعيات والمؤسسات الثقافية هي تقديم عديد النشاطات المتعلقة بهذا القطاع، فإنه من ناحية أخرى يضع على عاتقهم الأرشفة والكتابة ووضع برنامج خاص يتم فيه كتابة  سير ذاتية عن الذين ينتمون لهم تتجاوز كونها فقط معلومات عن مكان وتاريخ الميلاد، والبحث العتيد عن حياتهم الفنية التي تخلدهم كأيقونات ثقافية صنعت وزنها ذات يوم، وإضافة الجديد في كل مرة يقدمون فيها على خلق الجديد، غير أن ذلك لم يكن متاحا للأسف، فالذين رحلوا بقوا بصمة عالقة تحتاج من يحتضنها داخل الأرشيف، والذين نبحث عنهم أكلهم دهر الحياة المزري بعدما غطى عليهم تراب الممات، فليس من العدل أن لا نعرف أسماء كانت تعد في السابق من الوجوه اللامعة في سماء الفن، ومن المجحف أيضا أن نقف عندها دون نية حازمة في نفض الغبار عنها، والاستفادة من تجاربها وباعتبارها جزء ملهما في الأيقونة الفكرية والثقافية، فقد بات الأرشيف بولاية باتنة يساوم على الاندثار، وأضحت الثقافة كأحد رموزها قاب قوسين أو أدنى من الاهمال الذي أضحى يتغنى فقط بالمناسباتية وتقديم أعمال روتينية ومحاضرات حتى وإن كانت تصب في مضمونها على شخصية ما إلا أنها تبقى عاجزة عن وضع كتب تؤرشف لهم، كجزء من الامتنان  لما قدموه من بصمات ساهمت في اثراء الساحة الثقافية والفنية والأدبية لذات الولاية، وهو الأمر الذي يقع على عاتق كتابها أيضا.

رقية لحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق