مجتمع

الأسر الجزائرية.. تُعرض عن التكفل بمجهولي النسب ويريدونهم “أبناء حلال”

بين أسر تتخلى وأخرى تحتضن

“لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ” تختصر هذه الآية الكريمة أحوال الأزواج فمنهم من رزق بالبنات دون الأولاد ومنهم من كان عكس ذلك وقد يرزقون بكليهما، في حين هناك من شاء الله أن يكون عقيما.. ويعتبر العقم من أهم محفزات “التبني” أو التكفل بطفل يضمن نوعا من التوازن العاطفي في الأسرة الكافلة ويحفظ للمكفول حياة كريمة في كنف “أبوين” غير بيولوجيين لكنهما قد يتفوقان عن الأهل الفعليين بتكوين أسر مثالية..لكن الرغبة في التبني بمفهومه الاجتماعي وليس القانوني أو الديني لم ينفرد به “المحرومون” من نعمة “الإنجاب” فقط وإنما حتى بعض الأسر التي حظيت بذكور دون الإناث أو إناث دون الذكور تعتريهم الرغبة الملحة في استقدام ما ينقصهم ليعيشوا ذاك التوازن المفقود..
وما يثير الاستغراب أن هذه الأسر باتت تتوجه نحو أبناء عائلات معروفة “لتربيهم” رافضين فكرة اللجوء إلى طفل مجهول الهوية..رغم أن هذه الفئة هي من تستحق العناية فعلا والالتفات إليها نظرا لأوضاعهم وظروفهم المزرية في دور الرعاية.

أم لثمانية ذكور تبحث عن فتاة
رضا الإنسان غاية لا تدرك وهذا حال السيدة “نعيمة” التي من أجل إنجاب طفلة امتنعت عن تناول موانع الحمل واستمرت في الإنجاب عساها ترزق بفتاة لكنها لم تحظ بهذه الأمنية التي عششت في كل تفاصيل حياتها فتقول:” بعد إنجابي لثمانية أطفال ذكور يئست تماما من إمكانية إنجابي لأنثى وهذا ما جعلني أقصد كل من حولي ليعينني على إيجاد أسرة مانحة يرغبون في التخلي عن طفلة لسبب ما.. وأنا أشترط أن تكون “بنت حلال” أي معروفة النسب وأقوم بتربيتها كابنتي ولن أفرقها عن أبنائي “الفعليين”..ورغم أن الجميع يطلبون مني اللجوء إلى الشؤون الاجتماعية بطلب كفالة إلا أنني لا أستطيع أن أربي طفلة مجهولة النسب ولا يمكنني تفسير هذا الشعور..لكني سأجد بالتأكيد من “يتخلى” عن ابنته لصالح أن تكون فردا جديدا ضمن عائلتي التي تتشوق لذلك اليوم الذي نحتضن فيه “طفلة” بين أيدينا”.
وعلى عكس “نعيمة” التي ما تزال تترقب طفلة لا تعرف من أين قد ترزق بها فإن السيدة “ليلى” حملتها بين يديها منذ سويعاتها الأولى حيث حظيت بها عن طريق تخلي والديها الذين رزقوا بتسع بنات علما أن “ليلى” حرمت وزوجها من الإنجاب رغم مرور عشر سنوات كاملة من السعي الحثيث من أجل ذلك.. فتقول:” قضينا سنوات ونحن نسعى من طبيب نحو آخر..حتى أننا خرجنا خارج الوطن لكنهم قالوا لنا أن حالتنا ميؤوس منها ولا يمكننا الإنجاب أبدا..مع العلم أن زوجي يرفض فكرة التكفل بطفل من دور الرعاية لأنهم مجهولي النسب ما يجعلنا نتخوف مما قد يحدث في المستقبل من مفاجآت لم نحسب لها حسابا أو نلقي لها بالا…
المهم..كانت عندي جارة طيبة بمعنى الكلمة قالت أنها إن حملت بأنثى فستعطيني إياها وهذا ما حدث فقد أنجبت طفلتها التاسعة التي فرحتُ بها وكأنها ابنتي التي لم أحظ بإنجابها..في البداية لم أكن لأصدق أن هناك من يستطيع التخلي عن فلذة كبده لتربيها أسرة أخرى، وكنت كلما أفصحت عن رغبتي بتبني واحد من “أولاد الحلال” كان كل من حولي يستغربون ذلك بقولهم “أشكون يقدر يعطيك ولدو” وهذا ما حدث وسأكون عند حسن ظنهم ولن أخيبهم ما حييت”..

بين أسرة تتخلى وأخرى تحتضن
قد تختلف المسميات ووجهات النظر فلكل واحد منا زاوية رؤياه التي يحصر خلالها آراءه فما قد يراه البعض أمرا عاديا حدث وسيحدث يصنفه آخرون ضمن دائرة “المستغرب”.. ويبدو أن هذا النوع من التكفل بدأ يتوسع ليصبح بديلا عن اختيار طفل من “مجهولي النسب” الذي هو بحاجة ملحة لاستقباله في عائلة على عكس من هو ضمن محيطه الأسري، فالمجتمع الجزائري يستهجن ظاهرة التبني أو التكفل ناهيك أن تكون العملية ـ إن صحت التسمية ـ تخلي بمحض الإرادة عن فرد من أفراد الأسرة وهو رضيع أو طفل صغير لصالح أسرة أخرى..ورغم أن هذا التنازل نادرا ما يحدث مقابل حالات التكفل المعروفة لأطفال مجهولي النسب إلا أن “المحرومين كليا” أو “المحرومين المفترضين” ممن أنجبوا مع عدم رضاهم على جنس أبنائهم “إناثا” أو “ذكرانا” يفضلون أطفالا ثابتي النسب.. وهم إذ يحتسبون لهذه النقطة بالذات فإنهم في غمرة أنانيتهم هذه يتجاهلون عواقب تأثيرات “التخلي” عن الأبناء لأي سبب كان عن نفسيتهم في المستقبل حيث لا يمكن أن يغفر هؤلاء حرمانهم من العيش ضمن محيطهم العائلي الأصلي وإقحامهم في أسر مهما كان ما قدمته أو ستقدمه الأسر المستقبلة سيظل وضعهم “هوة” لا يمكن ردمها بالسهولة التي يُقبل فيها آباء على ترك أبنائهم بين يدي من ينتزع “ولد حلال” ويحاول تعويضه بكل ما يمكن أن يعيشه أصلا ضمن عائلته متناسين أولئك المحرومين من دفء الأسر في دور الرعاية وأولويتهم بالكفالة والاحتواء الأسري.

سماح. خ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق