روبورتاجات

الأمراض والأوبئة بين الأمس واليوم

إن الأمراض والأوبئة كانت موجودة مند القدم، وقد ضربت العالم وأخذت الكثير من البشر، حينها لم يصل العلم لا للأمصال ولا للقاحات ولا كان هناك عزل صحي كامل إلى أن يقع المحظور عندها يعزل المريض في بيته في حجرة منفردة ويدخل عليه الطبيب أو الإنسان الذي يشرف على علاجه فقط ويتعامل معه معاملة فردية دقيقة كلها حذر كما أن العائلة تخصص واحدا من أفرادها يشرف على إطعامه وتغيير ملابسه..الخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يحي باي فاطمة ـ نجاحي

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مرت بالجزائر أزمة قاتلة أغرقتها في عدة أوبئة مثل: الطاعون والكوليرا والجدري والملاريا والتيفوس، والحمى الإسبانية حمى الخنازير والسعال الديكي والتي انتشرت فيها قبل سنة 1867 بسبب القادمين من الخارج مع عودة المعمرين إلى الجزائر، والحجاج من البقاع المقدسة والأقدام السود وقدوم الأسبان المهاجرين إلى وهران والحاملين لوبأ الكوليرا والتي حصدت من السكان حوالي 15 بالمائة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

هكذا إلى أن قدم الإسلام بأنواره؛ فنزل الطاعون في إحدى البلدان فعلم الرسول {ص} بذلك فقال كلمته ناصحا ومبينا للناس ما يفعلون وقد ورد ذلك في عدة أحاديث منها إذا نزل الوباء في مكان ما فلا تدخلوه، وأن كنتم بداخله فلا تخرجوا منه وشبه الخارج منها كالفار من الزحف وهو من كبائر الذنوب وبشر الصابر على هذا الوباء بأن له أجر شهيد ، وذاك ما فعله  سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحكمته واستشارة رفاقه من الصحابة ـ ففي العام الثامن عشر للهجرة وقع شيء فضيع مروع؛ وهو ما تذكره المصادر باسم {طاعون عماوس} وقد سمي بهذا الاسم نسبة للبلدة التي نزل فيها وهي أول بلدة ينزل فيها هذا الوباء ثم انتشر في الشام ، مما جعل سيدنا عمر رضي الله عنه يمتنع عن الدخول ألى الشام هو ومن معه ّ؛ وحين سأله أحد رفاقه أتهرب من قضاء الله يا عمر قال رضي الله عنه {أهرب من قضاء الله إلى قضاء الله}.

نعود إلى الأوبئة التي كانت ولا تزال تؤرق العالم  أجمع من عرب وعجمٍ. وما يهمنا في موضوعنا هذا هو ما فعلته في الجزائر في عدة مناطق منها منطقة الأوراس والتي ضربتها عدة مرات وهي من المناطق المتضررة عبر العصور وكانت بعض تسمياتهم لهذه الأمراض تختلف من موطن إلى آخر وهذه بعض تسميات الأمراض التي مرت بالأوراس {التيفوس ـ البقلة ـ الجدري ـ هاعوعاشت “العوعايشا”ـ ريجي، وقد سمي بريجي نسبة للبلدة التي ضربها بمنطقة “هاغيث” سنة 1971 وانتقل منها للتكوت، لوجود مصالح بين القريتين مما يجعل السكان يتنقلون بينهما لقضاء حوائجهم ويحملون الوباء معهم، ولكنه لم ينتشر ولم ينتقل إلى أماكن أخرى لعدم وجود الاختلاط وقد قضى على الكثير من السكان خاصة من تاغيت}.

وكان الناس يواجهون هذه الأوبئة والأمراض بحذر وصبر ويلجؤون للتداوي منها بالأعشاب، والتي لا يزال استعمالها في بعض المناطق متبعا إلى حد الآن، و كان المعالجون بالأعشاب يقومون به كفعل إنساني أي أنهم لا يطلبون مقابل مادي هدفهم فقط هو تخليص المريض مما يعانيه من آلام نفسيه وبدنية ويحدون من انتقاله من شخص إلى آخر، بالأعشاب والنباتات وبعض العقاقير الأخرى ولقد كانت هي الملاذ والملجأ الوحيد المنتشر حينها ولا يزال سائدا عند بعض الأفراد، والمرضى يعتمدون  على استشارة أهل الحكمة والتجربة والحنكة ومن له القدرة والخبرة العلاجية ليرى أي الأعشاب أصلح للأكل أو للتداوي الخارجي، هكذا نشأ عندهم مفهوم الشيخ المداوي في القرية هو من يجب أن يعلم أحوال كل أسرة والبحث عما يجب فعله حتى وإن لجأ إلى القرى المجاورة؛ رغم أن الإنسان القديم لم يصل إلى تشخيص المرض وتحديده؛ ولا معرفة أسباب الموت الحقيقي  وكل منطقة تؤول الأسباب حسب تجربتها وتخمينها وعاداتها وتقاليدها وبيئتها  كان علاجهم للأمراض العادية الفصلية المألوفة عندهم بالأعشاب وبعض الأفعال التي تعرفها العجائز في المنطقة كالكمادات والدلك والتفل وشد الرأس بعصابة {منديل أحمر أو أخضر} مع وضع البيخة الطيب والخل وماء الورد أو عطر الخزامة؛ أما الأمراض المعقدة والمستعصية التي يطول أمدها وتؤدي إلى الموت فهم يؤولونها إلى ربما إلى السحر أو المس أو دخول شيطان أو سخط من الآلهة أو من الله كل حسب معتقده وقد يتساءلون إن كان المصاب قد تخطى مجرى من المجاري الوسخة أو استحم في مستنقع أو دخل مغارة يسكنها الجن ؛ أو ذهب لأسرة من ألأسر التي يشاع أنها تستعمل السحر وأكل من طعامهم ، وهذه كلها ـ طبعا ـ خزعبلات لا أساس لها من الصحة.

وهذا المصاب بهذه الأعراض يعالج بالضرب أحيانا لإخراج الجن من بدنه أو يكوى بالنحاس أو بالمنجل أو بسكين  ويطلب منه حمل الزئبق الأحمر ليتعافى ويطول عمره وأحيانا يطلب منه شربه وهذا خطير جذا للمضاعفات التي يحدثها في القضاء على الكبد والكلى   ونجد الأدلة التاريخية للتداوي بالأعشاب والتي وجدت في العصر الحجري القديم منذ حوالي {000 60}عام، أي أنه تعود إلى حضارة السومريين الذين قاموا بكتابة قوائم بهذه النباتات واستخداماتها الطبية، واجتهد المعالجون فيما بعد في اختيار الأعشاب والنباتات كل حسب بيئته.

كما أن القدامى كانوا كثيرا ما يلجؤون إلى الكي وبعدها جاءت الحجامة في عهد الرسول {ص} وكان المعالجون المداوون معروفون في المنطقة بخبرتهم و سواء أكانوا رجالا أو نساء .وكانوا حريصين كل الحرص على معرفة العلاجات الضرورية لكل داء حسب أعراضه وتطوراته؛ والأمراض تتواجد وتنتشر بين السكان ، كل حسب طبيعة منطقته ففي الصحراء تكثر أمراض العيون {الرمد ـ تراكوم.} وقد يكون إثر عدوى بكتيريا أو فايروس أو حساسية أو من تلوث الجو أو شوائب دخلت العين وعلاجه يكون بكمادات الصبار أو الشاي الأخضر المغلي أو الزعتر أو الكسبر أو الزعفران أو تكجيل العين  بالقرنفل وحده أو نقعه في الليمون أو بالكحل المعالج ألذي يخلط فيه مثلا: {حبات الشعير محروقة ونوى تمر الغرس المحروق والزعفران يتم طحنهم جيدا ويغربل في شاش وتكحل به العين… } مع غسل العيون بالماء الدافئ وقطرات من الليمون أو الملح عدة مرات في اليوم ويكون ذلك في الظلام وعند النوم توضع على العين المصابة كمادات من الملح والماء الدافئ، ،كما يكثر في الصحراء لدغ العقارب والأفاعي، والعلاج في هذه الحالات يكون بربط الموضع ربطا جيدا من الجهتين من فوق ومن تحت ويشلِّط بشفرة ويمص الموضع من طرف إنسان لا يعاني من تسوس الأسنان ولا جروح في الفم ؛ ثم يحك بالثوم والعسل و البصل الأحمر إن وجد، أو خلط الحنضل والثوم والليمون والبابونج وتوضع الخلطة على الموضع مع تغييره باستمرار.

ـ الإمساك الحاد يعالج ب تناول نبتة بونافع {أذرييس ـ الدرياس} مخلوط في الطعام وزيت الزيتون لأن تناول أو لمس هذه النبتة تجعل الجسم يلتهب وتظهر عليه حبوب حمراء مع حكة، سرعان ما تزول وكذلك شرب الحلبة أو زيت الخروع أو مغلي أوراق السدر.

ـ الإسهال: “بوشحيط” يقولون بأنه يكثر عند المصابين بمرض المرارة أو قد يكون المصاب شرب من مستنقع أو واد ماؤه ملوث أو أكل طعاما لم يلائمه {أعراضه أخف قليلا من أعراض الكوليرا} ويعالج بشرب الماء بكثرة وشرب الزنجبيل والحلبة وأكل الذرى والأفيد هو تناول حبات السدر التي توجد داخل النوى “النبق” بعد هرسها وغربلتها مع الدلك الخفيف المستمر لبطن المريض بزيت الزيتون وشرب منقوع العرعار أو أوراق السدر أوحبة حلاوة والكركم {العرق الأصفر} أو حب الرشاد أو النعناع ولحبق لتهدئة الأعصاب، أو الخروع العلاج يتم حسب المنطقة والبيئة التي يوجد فيها المعالج.

ـ آلام المفاصل والظهر: المعالج ينصح المريض بالذهاب ألى الصحراء ليدفن في الرمل الحار وهناك من يقوم برعايته من المختصين بهذا العمل أو يضعون له كمادات من نبات الدرياس {بونافع} ربما أسمه بالعربية “الشوك اللبني” أو الكي به أو كمادات من الحرمل {يهرس ويحمى ويوضع على العضو المريض} وكذلك يعالج هذا الداء بنبات الصبار، الصحراوي على الخصوص.

ـ عسر الهضم: هذا لا يعتبر مرضا بل عارض ناتج عن القرحة أو تناول طعام غير صحي أو أكل كمية كبيرة مع قلة المضغ للقمة ويحاولون علاجه بالينسون ومشروب النعناع أو  يعالج بالتمر الطري “الغرس” مخلوط بطحين حبوب السدر “النبق” أو العرعار أو منقوع قشر الرمان.

ـ إخراج السموم من الجسم: علاجه يكون بـ: شرب عصير الليمون بالماء والشاي والنعناع أو الزنجبيل مخلوط بالليمون والشاي الأخضر يشرب على فراغ ويمكن شرب منقوع عشبة مريم

ـ تضرر الكلى  سواء العجز الكلوي المزمن أو فيه حصى، العلاج يكون بشرب أو تناول جذور الكرفس {لكرافس ويسمى بالشاوية هالجامين} يساعد على در البول وإخراج السموم من الكلى فهو منشط للعمل الكلوي لأنه يحتوي على مغذيات مثل الصوذيوم والبوتاسيوم ويساعد على تخفيف الآلام وكذلك نبات المعدنوس منقوع في الماء والعسل وينصح  بكثرة المشي والشرب من ينابيع معروفة عند الناس  وكذلك شرب شاي الهندباء وشاي شعر الذرى أو حبات الذرى تنقع في الماء أو تبقى منقوعة في إناء مغطى لمدة حوالي ساعة  ويشرب على فراغ الابتعاد على تناول الطعام المالح، شرب عصير العرق السوس  أو شايه فهو يطهر الكلى من كل الشوائب، وكذلك الكركم والزنجبيل والقرفة مغلاّة في الماء مع القليل من الليمون والعسل ويشرب مرتين في اليوم

ـ الورم الصغير يظهر على جفن العين أو دمل العين {عيطليت بالشاوية}: يعالج بوضع كمادات ساخنة على جفن العين لدقائق بالماء أو بالشاي أو بالنعناع المطحون مع الشعير المطحون كذلك ويخلط بالماء الدافئ ويوضع ككمادات على الورم أو يمزج بملح الطعام مع الطحين وفصوص من الثوم المهروسة ويوضع الخليط فوق الورم كما يمكن مزج عصير البصل وعصير الثوم ويسخن ويوضع على الدمل بالتدريج أو وضع حبات من الحلبة في القليل من الماء ويوضع على النار ثم يترك ليبرد قليلا ثم يوضع على الدمل بواسطة قطعة قماش نظيفة وأحسن علاج هو استعمال نبتة الشيح تسحق ويضاف إليها كمية من عسل النحل والقليل من الخل الأبيض وبعد خلط المكونات جيدا ويوضع الخليط تدريجيا على الورم عدة مرات في اليوم لينفجر ويفرغ ما بداخل الدمل مع التوقف من استعمال الكحل بالنسبة للمرأة  وفي بعض المناطق يقومون بوضع حفرات صغيرة تحت القربة حيث يقطر الماء منها وعندما تجف قليلا يؤخذ الطين من تلك الحفر ويوضع على الدمل حتى يجف الطين على العين وكذلك من الحفر التي وضعت تحت القربة وهكذا يجف الدمل.

ـ علاج اللوزتين: الإصابة بالتهاب اللوزتين عادة بعد الإصابة بالبكتيريا وينتقل هذا الفيروس من شخص مصاب إلى شخص سليم .علاجها يكون بشرب مغلي جذور التوت ، شرب مغلي بذور الحلبة مع إضافة أوراق الريحان الأخضر {لحبق} إلى كوب من الحليب ،ويشربه المريض عدة مرات في اليوم، عمل غرغرة بخل التفاح والملح والماء الدافئ مع الإكثار من شرب المشروبات الدافئة مثل الشاي والتيزانة {الويزة} بالليمون، كما أن هناك من يقوم بالذهاب إلى معالج مختص بمسح اللوزتين بريشة الديك الرومي والقطران {عسل بيقنون}، وكذلك شاي العرقسوس بالعسل.

 

السحر والعين :

السحر والعين موجودان منذ العصور البائدة ويلجأ إليهما معظم الناس كلما حدث مشكل في الأسرة خاصة بين الزوجة والزوج، وكثرة المشعوذون والسحرة {فهم من يسحر وهم من يعالج، يلعبون على الحبلين ويلعبون بعقول الناس من أجل الكسب} وهذا يعود لجهلهم بالمحرمات وبالرقية الشرعية وتلاوة القرآن خاصة في الوسط النسوي ،وكلما شب الخلاف بين أفراد الأسرة ينسب الأمر إلى السحر والعين ـ الا من رحم ربك ـ والمعالج ينصح بشرب منقوع الحناء لمدة أسبوع  فيصاب الإنسان بإسهال حتى تصفى معدته ومصارينه مع شرب الماء المملح، أورمي العصابة، أو ذبح ديك أحمر يوم الأحد ويشرب المريض من مرقه ويرمى الباقي بين مفترق الطرقات في الصباح الباكر قبل أن تبدأ حركة  المارة، لتنتقل الإصابة إلى شخص آخر ويشفى مريضهم  أو يرمى في مكان مهجور بدعوى انتقال الإصابة إلى الجن، وهناك من ينصح بتعليق حبة الودعة أو الحنتيت خاصة بالنسبة للأطفال الصغار كما ينصح بشرب نبات السدر أو إكليل الجبل وألبعض يعالج حالة الإصابة بالعين  ـ والعين حق ـ، ولكن هناك بعض البدع لعلاج العين ،فمثلا حين يبدأ الشك في شخص ما معروف بينهم أن عينه مؤدية فيأتى بمقص ويقص القليل من ثوبه خلسة دون أن يدري ويحرق ويذر في الهواء ليذهب الأذى مع الريح وهناك من يدفنه في الخلاء وهناك من يقوم بكسر عود من الحطب في وجه من يشكون في أن عينه مؤذية ويحسد الناس دون أن ينتبه لذلك ـ طبعا ـ، أما اذا رأى الأهل بأن مولودهم الجديد هزيل ولا يأكل جيدا ويتقيأ فمباشرة يبحثون عن امرأة أنجبت قبل تلك الفترة أو حتى كان بين المولودين من شهر ألى ثلاثة أشهر وقامت بزيارتهم للمباركة والتهنئة فيطلبن منها تبادل القماطات ليتشاركا في النمو في الصحة {هناك من يقبل وهناك من يرفض} خوفا من تأثر صغيرهم ويصبح هزيلا مثل الآخر {هذه بعض العلاجات التي كانت تستعمل كعلاج لبعض الأمراض عند” ناس زمان”، والتي زال معظمها اليوم}

 

الأوبئة والفيروسات

مرت بالجزائر أزمة قاتلة أغرقتها في عدة أوبئة مثل: الطاعون والكوليرا والجدري والملاريا والتيفوس، والحمى الإسبانية حمى الخنازير والسعال الديكي والتي انتشرت فيها قبل سنة 1867 بسبب القادمين من الخارج مع عودة المعمرين إلى الجزائر، والحجاج من البقاع المقدسة والأقدام السود وقدوم الأسبان المهاجرين إلى وهران والحاملين لوبأ الكوليرا والتي حصدت من السكان حوالي 15 بالمائة {ويقال أن كلمة وااه لم تكن موجودة عندهم من قبل بل بدأت مع ما حصل عندهم من كثرة الوفيات جراء هذا الوبأ الذي أذاق طعمه المر كل العائلات ولا تسمع منهم إلا التأوه والحصرة والتي تمثلت في كلمة  وااااه،، وااااه} ومما زاد الطين بلة هو وضعية الجزائريين آن ذاك، كانوا يعانون من الفقر وسوء التغذية وانتشار المجاعة بشكل فضيع جراء الإحتلال الذي استولى على الأراضي لصالح المعمر الغاشم “الكولون” مما جعل الجزائريين يلجؤون إلى  أكل الأعشاب وما تنتجه الأشجار البرية مثل: حبات العرعار والسدر وجيجيب {غلة شجرة المايعة بالشاوية، والترمس بالعربية} والتفاح البري الصغير وحتى طحن نوى التمر، ونبات تالغودة ويسمى أكثير عند الأمازيغ {وهو نبات ينبت في حقول الزرع} هذا النبات يؤكل يصنع منه الخبز فهو يسد الجوع وينزع الإنتفاخ ويدر البول وقيل أنه يفتت الحصى ويعالج الأورام التي تظهر في السيقان والذبحة الصدرية ويخرج الديدان من الأمعاء {نقول الحمد لله رب العالمين ، نعتبر محظوظين لوجود نباتات جبلية كثيرة ووجود تمور: وإلا لحصل لنا ما حصل للشعب الصيني الذي أكل كل أنواع الحيوانات والحشرات…الخ إلى أن أصبحوا بؤرة للأوبئة}.

وفي سنة 1835 قتل الطاعون في قسنطينة وحدها أكثر 1500 وفاة خلال ثلاثة أيام فقط، {وقد بلغ عدد الضحايا في الجزائر 80 ألف ضحية} رغم عدم وجود المواصلات للنقل من مكان ألى مكان إلا أن الوباء فعل فعلته ، ولو كانت المواصلات مثل الآن لأنقرض الشعب الجزائري وانتهى أمره، وكذلك ظهر الطاعون الأسود في منتصف القرن الرابع عشر وقد أدى إلى وفاة عشرات الملايين من البشر وتسبب في تراجع عدد سكان الأرض ومن نجا منه يترك على جلده دبل سوداء كبيرة تصل إلى حجم البيضة الفاسدة المليئة بالعفن والأوساخ ثم تتبعها بعض الأعراض الخطيرة كارتفاع الحرارة ومشاكل في التنفس، وقيء مليء بالدم  وبعد أسبوع على الأكثر يفارق المصاب الحياة، والمرض كان ينتقل مع الهواء والروائح الكريهة عند فقء الدبل المنتشرة على أجسام المرضى.

 

علاج الطاعون زمان :

ـ فقء الدبل: البيضوية وملئها ببعض الأعشاب والورود والزهور البرية وكان الكثير من الناس يأخذون بعض تلك الورود إلى بيوتهم لتعليقها في غرف المرضى وفي أعناقهم.

ـ تناول ملاعق من دبس السكر العتيق جدا فمذاقه الرديء؛ يقولون أنه يساعد في زوال المرض كما أنهم يستحمون ببول النوق و الأنجع هو بول البشر الأصحاء الذين لم يصابوا بالوباء حتى صار يباع في قنينات في الأسواق بأسعار غالية.

ـ الكوليرا: وبأ معدي يسبب إسهالا مائيا حادا قاتلا، مصحوب بجفاف شديد يمكن أن يتسبب في الوفاة إذا ترك بدون علاج  ويستغرق  فترة تتراوح ما بين 12 ساعة و5 أيام لكي تظهر أعراضه على الشخص وينجم عن تناول الأطعمة أو شرب المياه الملوثة ،و الكوليرا لازالت نشكل خطرا وتهديدا عالميا للصحة العمومية وتشير تقديرات الباحثين إلى وقوع عدد يتراوح ما بين 1.5 و 0.4 مليون حالة إصابة سنويا؛ علاجها قديما وحديثا يتم بشرب السوائل بكثرة والماء النقي على الخصوص ،وهناك من يحتفظ بماء المطر ليشربه المصاب لكونه ماء نزل من السماء نقيا مباركا وكانت العائلات تحتفظ بنوى السدر “النبق” وتستخرج الحبات الصغيرة البنية التي تشبه العدس من داخل النوى وتهرس حتى تصبح طحينا ناعما وينخل ويشرب كمشروب أو يتناولها المصاب كمسحوق ملعقة أكل قبل الإفطار ويتبعها بشرب ماء كثير.

 

أكثر الأوبئة التي ضربت الجزائر:

خلال الإحتلال والإستعمار الفرنسي الغاشم عرفت الجزائر عدة أوبئة وهي الأكثر فتكا بالجزائريين وهذا للأسباب التي ذكرناها من قبل {الفقر الذي أدى إلى المجاعة، وعدم توفر النظافة الضرورية} هذه الأوبئة هي: الطاعون الذي خلف أكثر من 20 ألف ضحية بين 1552 و1822 وكان الوباء يعاود البلاد كل 10 إلى 15 سنة ففي سنة 1788 كان عدد الضحايا 15793 منهم 13482 كما ضرب العاصمة الجزائر دون غيرها سنة 1852 و1953م والذي نقله مسافرون من مارسيليا وتُولون الفرنسية فخلف 828 وفاة بين الجزائريين واليهود والأوربيين، وضرب سنة 2003 عدة ولايات في الغرب الجزائري هي: إليزي وهران، معسكر، تلمسان وعين تموشنت.

الكوليرا: هذا الوبأ الذي كان ولا يزال يعود ويهدد العالم دائما سجل خلال الفترة الاستعمارية 1930 و1950 أكبر الأرقام لتزامنه مع الجدري والحصبة والتيفوس، وسبب انتشاره وانتقاله كان عن طريق المسافرين القادمين من أوروبا إذ بلغ عدد الوفيات 34271.

الجدري: هذا الوباء أصاب 2000 شخص سنة 1840 في قسنطينة وقتل 500 طفل في المدية كما ضرب شرشال وتنس وكانت أكثر الوفيات من الأطفال  مما جعل السلكيات الاستعمارية تغلق المدارس خشية انتشاره فهذا الوباء ينتقل من المصابين إلى الأصحاء بظهور طفح على جلد المريض يشبه البثور ثم تتكون قشرة على البثور ما تلبث أن تسقط تاركة ندبة في مكانها ومن تلك القشور المتساقطة تنتقل العدوى.إلى الأصحاء القريبين من المصاب.

التيفوس: وهو من الأمراض المعدية سريعة الانتشار وطريقة  انتقالها من الشخص المصاب إلى السليم عن طريق البراغيث والقمل وقد ارتبط هذا الوباء كذلك بالفقر والأوساخ والمجاعات وقد وصل عدد الوفيات سنة 1861 في منطقة القبائل 216 وفاة؛ وبعدها انتشر في كل من قسنطينة والعاصمة وبلغ مجموع الوفيات في الجزائر كلها 3316 شخص.

وعلى مر التاريخ البشري، أثرت الأوبئة والفيروسات على الحضارات منذ أول تفش معروف عام 430 قبل الميلاد خلال الحرب البيلوبونيسية {بين خلفاء أثينا  وإسبرطة} وكان للعديد من هذه الأوبئة تداعيات كبيرة على المجتمع البشري بداية من قتل الكثير… الكثير من سكان العالم حتى أن إمبراطور بيزنطة جيستينيان الأول كانت وفاته بوبأ الطاعون والذي يعرف اليوم باسم “طاعون جستنيانما” ولقد أدى حينها تقريبا ما يعادل  نصف سكان العالم، حيث توقفت الأنشطة التجارية وكل التنقلات والتجمعات، وأكثر المناطق المتضررة حينها هي آسيا والصين حيث يعتقد أنها موطن الوبأ الذي عرف لاحقا بالموت الأسود وكثرة الوفيات ساهمت في خلق فرص العمل ووقف الحروب {لفترة قصيرة} ، كما ساعد وبأ الجدري الأروبيين على استعمار وتطوير المناطق التي تم إخلاؤها وتغيير تاريخ القارتين.

 

أنواع العلاج قديما:

ـ  استعمال دودة العلق التي توضع على الورم أو الجرح لتمتص الدم بقدر لأنه إذا سحب الدم بكثرة يؤدي الى إنهاك أجساد المصابين مما يؤدي بالمصاب للوفاة المستعجل كما يؤدي ذلك للتعفنات بمواقع الفصد بالسكين أو بالشفرة ، كما أنهم يقومون بأنواع غريبة من العلاج كطريقة مجابهتهم للطاعون الدبلي “الورمي” بوضع مؤخرة الدجاج على مكان الورم وتثبيته عليه بربطه بخيط أو بشريط  ليقوم بسحب السموم من الأورام لإنقاذ المصاب ، أيضا يقومون بطحن الزجاج الأبيض أو الزمرد إن وجد فهو أفضل وأسرع لعلاج المرضى ولكن الزمرد يؤخذ عن طريق الفم ليشفي المريض من الوبأ ولكنه يخلف إصابة المعدة بخدوش وجروح ليصبح المريض يعاني من القرحة المعدية، وهناك من يعالج تلك الأورام بالعجين الممزوج بكمية كبيرة من الملح الصخري المطحون ناعما أو بالرماد الناعم مخلوطا بالثوم، كما يستعملون علك الصنوبر و”اللوبان” ويربطونه بشاش حتى يخرج القيح أو الدم الفاسد من الورم، وهذه العلاجات قد تغيرت اليوم وأصبح العلاج متطورا مزودا بالأمصال وغيرها والتداوي عند أطباء مختصين. والقليلون هم الذين يلجؤون للتداوي بالبدائل سواء أكانت أعشاب أو عقاقير متنوعة والنظافة التي يجب أن تلازم الإنسان دائما، كما أن هناك من ينكر وجوده  نهائيا حتى يقع فيه هو شخصيا أو يأخذ أحد أحبته المقربين.

ومن الموت الأسود إلى كورونا المستجد والذي يعاني منه العالم لسرعة تفشِّيه وانتشاره كالنار في الهشيم حتى أصبح شبحا يتابع كل فرد وكل أسرة كيف ما كانت حالتها الاجتماعية لا فرق بين غني وفقير ولا بين رئيس ومرؤوس، الكل عند الجائحة سواء، فقط قد تختلف الأعراض من شخص لآخر، ربما حسب السن أو حسب توفر المناعة عند المصاب، كما أجبرت البشر على تتبع نمط حياتي معين مفروض على كل واحد {كملازمة السكن وعدم الخروج إلا عند الضرورة القصوى ، وغسل اليدين بالماء والصابون باستمرار، تعقيم المنزل وكل ما يدخله من الخارج وتغيير الملابس والاستحمام لكل من يدخله حتى وإن كان صاحب المنزل، لبس القفازات في بعض المواقف لبس الكمامة الابتعاد عن التجمعات، عدم حضور الأفراح والمناسبات والعزاء وكل الزيارات التعامل مع الإدارات بحذر وبقواعد معينة تعقيم العملة الورقية والنقدية}…الخ ورغم كل هذا لا يزال الباحثون والأطباء يكتشفون بعض المستجدات والتطورات في هذا الوبأ القاتل ويقولون بأن هناك أجيال قادمة لهذا الوبأ وقد تكون أخطر، كما أنهم لم يتوصلوا نهائيا إلى أمصال ولقاحات تريح العالم من هذا الكابوس، لكننا كمؤمنين نتضرع إلى الله العلي القدير أن يرفع عنا و يزيح هذا الوباء القاتل. وهو على كل شيء قدير، وهو اللطيف الخبير ـ والفرج آت بعون الله.. “إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون “صدق الله العظيم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق