كتاب مسلسل

عذراء الأوراس والجلاد.. الشهيدة مريم بوعتورة ح2

الأهمية التاريخية لنقاوس.. الحلقة الثانية

اختار التاريخ نقـاوس واختارت المدينة التاريخ عشقا، فنسجا قصـة أسطورية في غاية الجمال والجـلال في مدينة ليست عادية في المعادلة التاريخية، وهي التي تتمتع بخصوصية كبيرة لأنها تختص باستمرارية فريدة تتحدى الزمان، فقد التقت داخلها حضارات العالم، ومر بها الأباطرة وجحافل الغزاة على مر الأزمنة والعصور، كما كانت دائما إحـدى مراكز التصادم بين الإمبراطوريات القديمة والحديثـة، حيث شهدت وهادها وجبالها مقاومات ومعارك ضارية على امتداد الحقب والأزمـان، فتعرضت للتخريب في حيـاتها الطويـلة مرات عديدة..

وفي كل مرة كانت تنهض إلى الحياة من جديد وتعود قوية متعافية ،  فلعبت دورا مهما في الحياة الثقافية والسياسية والدينية منذ القديم، كما ظلت القلاع والمراكز العسكرية الدفاعية التي تحيط بها تحفظ لها قوتها بكبرياء ووقار كبيرين، فصارت بذلك لإفريقيا القلب النابض وللجزائر تاريخا محفوظا بثرائها وتواصل حلقات التعمير البشري والتاريخي بها دون انقطاع منـذ 500 ألـف سنة قبل الميلاد، تاريخ تعمير الإنسـان الأول للمنطقة مرورا بفجر التاريخ إلى مرحـلة العصر الحجري الوسيط والأوسط وصولا إلى عهد الرومـان وأثناء فترة الفتوحات الإسـلامية وببطولات رجالاتها وأبطالها وعلمائها عبر كل العصور.

لقد احتلت المدينة مكانة هامة في عهد الرومان و باتت العاصمة السياسية والثقافية لنيسيفيبيس Nicivibus التي كانت تمثل عاصمة قبيلة النيسيف خلال القرن الثاني الميلادي، والتي استقرت في منحدر نقاوس الذي يقع داخل خط الليماس والتي كانت إلى جانب قبائل السوبوربور تحت حكم/ فيسباسيان/ مما أهلها لأن تتقلد رتبة /كسترا/ تلفها سلاسل  الأوراس بين قمتي الرفاعة بجبـال أولاد سلطان وتايشريرت بأولاد علي.

أما خلال الحكم البيزنطي فقد تميزت المدينة بقوتها الدينية بقرطاجة سنة1411م، وكان لأسقف الكنيسة الشعبية/كولومبس/ دور كبير في ذلك؛ في حين تذكرها المصادر أنها كانت من بين أهـم المدن في العصر الإسلامي سيما ابان عهد بنو حماد وخــلال القرن السابع إلى التاسع،” مدينة جميلة كثيرة الأنهار والثمار، وقد اشتهرت أرضها خصوصا بوفرة ماتنتجه من الجوز واللوز والعنب والقطن والحبوب، وكان جوز نقاوس في عهد بني حماد يحمل إلى القلعة وبجاية، حيث يشتد الاقبال عليه في قصور الملوك والأمراء، ويشير إلى ذلك ابن خلدون : “.. وكانت  كتامة تسيطر على مدن هامة منها أنجيكان، سطيف، باغاية، نقاوس، بلزمة ..” وكان لهـا من العسكريين من ذكرهم التاريخ بأنهم العمود الفقري لدولة الأغـالبة والدولة الفاطمية في القرن 11-12م، إضافة إلى كسيلة الذي برز قائدا عسكريا عظيما لجيوش البربر بزعامة الكاهنة بالأوراس.

ويشير ابن خلدون إلى أنها المدينة الوحيدة في الحضنة التي قاومت عوامل التخريب والفنـاء وسط أسوارها الحصينة، إلا أنه زال بها الأمن والهدوء خلال القرن الخامس الهجري نتيجة لحركات البـدو وهجرات بنو هلال وأحلافهم من مصر إلى إفريقيا والمغرب الإسلامي، وحدث تغيير جوهري في نواحي الحيـاة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في إفريقيا ومنها منطقة الحضنة والأوراس، وقد بدت مظاهر حيويتها وازدهارها أكثر إبان دولة بني حماد، وقد ميزها في ذلك جامعها الشامخ ومعهدها وحماماتها المتعددة وينابيعها المتفجرة ونباتاتهـا الكثيرة، وقد سماها العرب نكاوس.

كما لا يتوانى الكثير من المؤرخين والرحالة في التغني بها وذكر محاسنها وكرم سكانها وجمال طبيعتها وكثرة بساتينها وأشجارها المثمرة وأزهارها وورودها ووفرة مياهها، وأنها ظلت مدينة للعلم والعلماء.

فبرز فيها علماء أجـلاء أغنوا المكتبة العربية بمؤلفاتهم ومخطوطاتهم الشهيرة في مجال الأدب والفقه والتحقيق منهم، أحمد بن العباس النقاوسي أبو العباس (765 ﻫ – 1364م) نحوي وحافظ أديب من كبـار فقهاء المالكية، له مشاركة واسعة في علوم التفسير والحديث واللغة والمنطق، له مؤلفات كثيرة وهامة منها  “الروض الأريض في علم القريض” و”حديقة الناظر في تلخيص المثل السائر” و”شرح المصباح” و”إيضاح السبيل إلى القصد الجليل في علم الخليل”.

وأحمد بن عبد الرحمان أبي زيد النقاوسي 810 ﻫ  -1407 م  فقيه مالكي من كبارهم، له مشاركته الواسعة في علمي المعقول والمنقول له  “الأنوار المنبلجة في بسط أسرار المنفرجة “،  من تلامذته عبد الرحمان الثعالبي، ومحمد بن محمد بن يحـي بن أبي علي أبو الطيب النقاوسي 897 ﻫ – 1491م قاض، مفسر، لغوي، منطقي، أصولي من فقهاء المالكية درس في مصر ومكة، وعبد السـلام السلطاني النحـوي الذي توفي بتونس له مؤلـف “شواهد الأشموني” الوحيد في العالم العربي…

إلى جانب رائد الحركة الاصلاحية والعلمية لمدينة نقـاوس المرحوم الشيخ عيسى مرزوقي 1898-1993م، الذي أضاف للمدينة شهرة طيلة 60 عاما كإمام، ظل خلالها يدعو لإرساء قيم الدين السمحاء، وينشر بها ثقافة الخير والفضيلة والتسامح حاثا على الوسطية والاعتدال.

في هذا المجال لا يمكن كذلك إغفال المعالم الدينية العريقة للمدينة والتي يختصرها جامع سيدي قاسم ومسجد سبع الرقود، والدور الإصلاحي والتربوي الفعال لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين بالمنطقة من خـلال فرعيهما بالقصبات ونقاوس الذي تم تأسيسه سنة 1938م، هذا الأخير كان له أثر فعال في تنوير و تهيئة النفوس للثورة بالمنطقة بقيادة أساتذته ورموزه حمادي بن يوسف والشيخ عيسى مرزوقي وآخرون.. الخ.

وبالقصبات كان للضابط قاضي جيش التحرير بالمنطقة الأولى الشهيد الشيخ سعد بن ازديرة فضل كبير ودور بارز كواحد من أعمدة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في مرافقة الثورة ومواجهة المستعمر والمحافظة على النسيج الاجتماعي والقيم الدينية بالجهة.

وقد شجع على ذلك الدعم الكبير لعلماء الجمعية من بينهم الشيخ  البشـير الإبراهيمي الذي زار المدرسة اليوسفية بنقاوس التابعة للجمعية ست مرات كاملة.

وبالرغم من أن المدينة فقدت مكانتها خلال العصر العثماني ، حيث تدهورت الحـالة الاجتماعية أثناء فترة حكم  القـائد محمود بشطارزي وأولاده سنة 9187 م خاصة، وبدت معها معالم المقاومة الشعبية المسلحة، إلا أنها لم تتراجع يوما وهي تسجل صفحات ناصعة في تاريخ الإنسانية ولم تكف أبدا عن إنجاب العظماء من العلماء من رجال الدين والسياسة والقادة العسكريين البارزين.

فنجد أن مشتله المدينة لم تبخل عن العطاء، فكانت فيما بعد عذراء الجبـال والمدن الشهيدة مريم بوعتورة، وكان كذلك محمد شندرلي والمرحوم توفيق بوعتورة دبلوماسيين محنكين ظلا يرافعـان عن قضايا الجزائر في المحافـل الدولية والأمم المتحدة فكانت مواقفهما مشرفة جدا.

والأكيد كذلك أن الكثير لا يـزال يذكر الملحمة الرياضية التي صنعها أبناء نقـاوس سنة 1961م عن طريق فريقهم الشباب الرياضي النقاوسي “JSN ” من خلال فوزهم على الفريق الفرنسي زمن الاستعمار بكأس الجزائر، محطمين بذلك أسطورة الأوربي الذي لا يقهر المسكون بعقدة التفوق.

فكان لكل هذا الزخـم الذي انبهر له المؤرخون من الرحـالة والمستشرقون أمثال ابن خلدون، الادريسي، اليعقوبي، البكري، حسن الوزان، ابن حوقل، بلان، رينيه، شو، بطليموس وقزال أثر إيجابي في صناعة الإنسان وتشكيل ثقافة مجتمع ظل محوريا في الحراك التاريخي وفي مسيرة الأوراس اجتماعيا، عسكريا، سياسيا وثقافيا..!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق