روبورتاجات

الأوراس نيوز تتوغل في أدغال الولاية (الجزائرية) رقم 49

خاصرة البحر المتوسط وعنوان التحول الهوياتي القادم إلى أروبا

مارسيليا: مراسلة خاصة / أمين. ب

مارسيليا أو ماغساي كما يطلق عليها الفرنسيون أو مارساي كما يسميها العرب من الجالية المقيمة هناك.. هي ثاني أكبر المدن الفرنسية من حيث الضخامة وهي الثالثة من حيث الكثافة السكانية بعد باريس وليون، وهي أكثر المدن الفرنسية استقطابا للمهاجرين من مختلف بلدان المغرب العربي وخاصة من الجزائر إلى درجة تسميتها بالولاية الجزائرية التاسعة والأربعين، تقول النكتة الفرنسية الشائعة، إنّ سباق السيارات الشهير «باريس ـ داكار» كان يدخل الأراضي الجزائرية اعتباراً من مرسيليا، على الساحل الجنوبي للبلاد. أين يوجد واحد من كل 4 مقيمين في هذه المدينة يدين بالإسلام.

 

مارسيليا بين التاريخ والجغرافيا 

مدينة مارسيليا التي تكتب بالفرنسية Marseille يبلغ تعداد سكانها أكثر من مليون نسمة ينتشرون على مساحة 240.62 كم مربع، تقع في الساحل الجنوبي لفرنسا المطل على البحر الأبيض المتوسط، ويزيد عدد سكان منطقة مارسيليا الكبرى عن 2 مليون نسمة. ويعد ميناؤها أكبر موانئ فرنسا التجارية . هي أيضا عاصمة كل من إقليم بوش دو رون ومنطقة بروفنس ألب كوت دازور، تشتهر بوجود جالية عربية وإسلامية كبيرة، يعتقد أنها ستصبح قريبا أول مدينة ذات غالبية مسلمة في أوروبا الغربية.

يحد مارسيليا من الجنوب البحر الأبيض المتوسط، ومن الشمال سلسلة جبال سانت فيكتوار، أما من الشرق فتحدها مناطق ساحلية وعرة، كما يحدها من الشرق سلسلة جبال سانت بوم، وغابة من الأشجار ومدينة تولون، بالإضافة إلى الريفييرا الفرنسية، ويحدها من الغرب خليج الأسد، ومنطقة كامارغ الواقعة في دلتا الرون.

تأسست مارسيليا سنة 600 ق.م  من طرف مغامرين إغريق من آسيا الصغرى، وأطلقوا عليها ماساليا. وكانت مدينة مستقلة حتى القرن الأول قبل الميلاد، ثم أصبحت تحت سيطرة الرومان، وتدهور حالها، ثم استعادت أهميتها في القرون الوسطى أثناء الحروب الصليبية. وقد أصبح پروڤانس ـ وهو الإقليم الذي تقع فيه مارسيليا جزء من فرنسا في عام 1481م، ووقعت فيها صراعات دموية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي أثناء الثورة الفرنسية. يقوم اقتصاد مارسيليا على التجارة والصناعة ويستوعب ميناء المدينة ما يقرب من ثلث حركة السفن في كل الموانئ البحرية الفرنسية.

امتطينا طائرة الخطوط الجوية الجزائرية بوينغ 737 في الرحلة العادية الرابطة بين مطار بن بولعيد بباتنة ومطار مارينيان بمرسيليا وكانت البداية بحملة تفتيش دقيقة وغير عادية على مستوى شرطة الحدود والجمارك، ويبدوا أن أعوان الهيئتين يبحثون عن علب السجائر الزائدة التي يصطحبها في العادة المغادرون إلى فرنسا، والتي سنعود إلى قصتها لاحقا، لقد تم تفتيش جميع المسافرين لأربع مرات متعاقبة بالكاشف الضوئي وبالأيدي، لتكون بذلك اعقد إجراءات مرور جوي نشهدها رغم ترحالنا إلى عشرات المطارات .. انطلقت الطائرة في الوقت المحدد على غير العادة، وأثناء الرحلة بشرتنا المضيفة بأن طاقم الطائرة سيوزع علينا مشروبات لنتفاجأ بحجب وجبة الغداء التي تمنح في العادة للمسافرين على الخطوط الدولية، إلا أن مرافقي أكد بأن الجوية الجزائرية تخلت عن هذه الوجبة منذ مدة، ربما لاقتصاد ثمنها ومواجهة شبح الافلاس الذي يواجهها .. مرت الساعة وربعا في الأجواء كلمح البصر ليعلن قائد الطائرة بأنها ستحط على مطار مارينيان خلال دقائق حيث كان الضباب الكثيف يلف الأجواء ومع ذلك هبطت الطائرة التي كانت تقودها امرأة بسلاسة.

حطت الطائرة بمطار مرسيليا مارينيان أين تمت إجراءات الدخول إلى التراب الفرنسي في لمح البصر، حيث لم يتم تفتيش أي أحد يدويا، بل يتم المرور عبر السكانير فقط، أما شرطة الحدود فترحب بك قبل أن تطرح عليك سؤالا اعتياديا حول الوجهة والغرض من زيارة المدينة وأحيانا يطلب وثائق تثبت الحجز في الفندق أو استظهار تذكرة العودة أو الأموال أو بطاقة الدفع ليتأكدوا بأنك في وضع جيد يسمح لك بالتواجد في المدينة دون إثارة المشاكل، في حين يقوم أعوان الجمارك الفرنسيين بتفقد المتاع والبحث خاصة عن علب  السجائر التي يجب أن لا يتعدى عددها الإثنتان وإلا سيتم تغريم حاملها ب 70 أورو بسبب مخالفة قواعد التجارة الدولية للتبغ.

مرحبا بنا في مارساي

بمجرد خروجك من مطار مارينيان مارسسليا يواجهك أول مظهر يؤكد بأنك لم تغادر الجزائر، حيث تسمع همسات مصدرها سيارات مركونة على جانب الطريق وبالعربية.. هيا كورسة مارساي ( يبعد المطار عن المدينة بحوالي 30 كلم)، ولك أن تختار ركوب الحافلة وانتظارها بـ 10 أورو أو تركب سيارات “الفرود” بنفس الثمن ولكن الانطلاق في الحال.. ركبنا إحدى تلك السيارات وانطلقت بنا لنتبادل أطراف الحديث مع السائق بداية بحالة الجو الذي كان ممطرا هناك بينما تركناه جافا في الجزائر.. مرت دقائق معدودات حتى وصلنا إلى وسط مدينة مرسيليا ومنها إلى الفندق في أحد الأحياء الراقية أين نقيم.

في اليوم الموالي كان مقصدنا وسط المدينة وخاصة الأحياء التي ينتشر فيها الجزائريون لنكتشف بأن وسط المدينة تهيمن عليه الجاليات المغاربية خاصة الجزائرية لاسيما في أحياء نوواي، والميناء القديم وقومبيطة وكانابيار وحول محطة سان شارل وبلزانس وغيرها من الأحياء، التي لا يمكن التفرقة بينها وبين أي حي في أي مدينة جزائرية سوى من حيث العمران والإشارات الدالة على الاتجاهات ولوحات ترقيم السيارات، غير ذلك تنتشر في هذه الأحياء كل المظاهر الثقافية التي تشير إلى العرب والإسلام لاسيما الحجاب والملابس والمأكولات التقليدية العربية، كما تنتشر المحلات التي تبيع المأكولات التقليدية لاسيما الحلويات، والتي تتزين بعبارة حلال بكل اللغات، فعند الباهي التونسي تجد الفطائر ومختلف أنواع الحلويات التونسية والجزائرية، حيث يقدم هذا المحل الشهير جدا فطورا متميزا كل صباح ويستقبل عددا كبيرا من الزبائن منذ الصباح الباكر، في مدينة لا تفتح محلاتها إلا بعد طلوع النهار.

 

حومة الشاوية لم يعد فيها شاوية 

غير بعيد عن وسط المدينة وفي الطريق المؤدية من شارع بلزانس في اتجاه قوس النصر تقع حومة الشاوية التي تتخذ من شارع لافارRue de la fare  مقرا لها.. دخلنا هذا الشارع من طريق جانبية فوجدنا في مقدمته مقهى عامرا بالجزائريين يشاهدون قناة جزائرية ويستمعون إلى موسيقى المالوف ويتحدثون في السياسة ويناقشون العواجل التي تبثها القناة.. في مدخل حومة الشاوية تستقبلك روائح المأكولات الجزائرية وترحب بك منبعثة من عدة مطاعم منتشرة على جانبي الطريق، خاصة رائحة اللوبيا والعدس والفطاير، والبكبوكة التي يقصدها الجزائريون للتخلص من الشعور بالغربة.. سألنا بعض زبائنها عن معلوماتهم حول هذه التسمية وحاولنا الحديث بالشاوية للبحث عن الشاوية في حومتهم فتفاجأنا بأن كل الموجودين هناك لا يتكلمون الشاوية ولا ينحدرون من المنطقة حتى، أحدهم تحدث باللكنة الوهرانية ابتسم وقال .. لم يعد هناك شاوية في هذه الحومة إلا بعض الزوار مثلكم.. في حين هناك جزائريون من كل المناطق، سواء كأصحاب مطاعم أو زبائن لها.. ويبدوا من خلال شهادات من تحدثنا معهم تدعمها بعض المصادر التاريخية أن أصل التسمية يعود إلى بداية القرن الماضي حين سافر الآلاف من الشباب المنحدرين من مناطق الأوراس إلى مرسيليا عبر البحر بحثا عن العمل وكانوا يلتقون بعد ساعات العمل في هذا المكان، ويتحدثون بالشاوية، ولذلك أطلق هذا الاسم على هذا المكان الذي كان ومازال ملتقى للجزائريين، لكن هذه المعلومات لم نجد ما يدعمها من مصادر تاريخية، والمؤكد أن بعض الشخصيات الوطنية التي هاجرت في تلك الفترة قد مرت من هنا على غرار الحاج لخضر قائد المنطقة الأولى أثناء الثورة، والذي عاش ردحا من حياته في مدينة مرسيليا ومنها دخل عبر البحر إلى فرنسا، وفيها التقى مع عدد من المناضلين.

السوق الذي تشرق منه الشمس

طبعا لا يعكس هذا العنوان الحقيقة لأنه يعبر عن محتوى تسمية أحد الأسواق العربية الواقعة جنوب مدينة مرسيليا على ربوة قوس النصر، ففي سوق الشمس أو Le marché du soleil   الذي يشبه كثيرا سوق خان الخليلي في القاهرة وسوق الحميدية في دمشق أو حتى سوق بايزيد بإسطنبول بنفس الهندسة والمحتوى تقريبا.. هناك يرحب بك الباعة من الجنسين باللغة العربية ويعرضون عليك سلعهم بنفس الأسلوب في أسواق الجزائر وهي في مجملها ملابس وأدوات منزلية تقليدية وهناك مقهى صغير في المخرج الجنوبي أين يمكنك الاستراحة وأخذ النفس قبل مواصلة الجولة.. في هذا السوق وفي غيره من الأسواق العربية يمكنك أن تكتشف الاختلاف بين طريقة الترويج للسلعة بين العرب والفرنسيين، حيث يكتفي الباعة الفرنسيون وهم في الغالب فتيات في مقتبل العمر بالقول: هل يمكنني مساعدتك؟، أما الباعة في الأسواق العربية فيجرونك جرا إلى محلاتهم بعد اعتراض طريقك وعرض سلعهم واحدة تلو الأخرى.

نوواي.. قلب مارساي الذي استولى عليه الجزائريون

تقع منطقة نوواي في المقاطعة الأولى غير بعيد من ساحة الميناء القديم vieux port وشارع روما المعروف بمحلات الماركة، غير بعيد من الحقل العتيق للقنب الذي يسمى محلياla cannebière  وتحتوي على واحدة من أكبر محطات ميترو مرسيليا وبها سوق للخضر والفواكه وتعتبر الواسطة بين مختلف مناطق وسط المدينة، في هذه المنطقة يندر أن تسمع كلمة باللغة الفرنسية، ما عدا تلك الصادرة عن المهاجرين الأفارقة والقادمين من جزر القمر الذين ينتشرون بدورهم بكثافة في هذا الحي الذي يتوسطه سوق للخضر.. هنا تجد أغلب الشباب الجزائري الحراقة وخاصة المنحدرين من ولاية عنابة، حيث يمكن تمييزهم بسهولة من خلال اللهجة التي يتحدثون بها.. ينتشر هؤلاء الحراقة بإحكام في مختلف جوانب الحي في مخططات أمنية تلقائية تحسبا لأي مداهمات من طرف الشرطة الفرنسية التي يندر أن تدخل إلى هذه المنطقة، ولذلك يشعر الحراقة بالأمان هنا ويفرضون منطقهم، يتاجرون في كل شيء خاصة الممنوعات ولاسيما سجائر المارلبورو التي يجلبها القادمون من الجزائر والتي توفر لهم ربحا معتبرا على اعتبار أن السلطات الفرنسية تفرض ضرائب كبيرة جدا على استهلاك التبغ، إذ ارتفع سعر العلبة مؤخرا إلى 10 أورو في حين أن ثمنها في الجزائر لا يتجاوز 2 أورو، وهذا ما يوفر أرباحا معتبرة للباعة الذين يبادرونك بمجرد لمحك داخلا للسوق .. دخان.. دخان..

سوق أوبيس الملتقى الأسبوعي للجاليات العربية  

على بعد بضعة كيلمترات من وسط مدينة مرسيليا وعلى ضفاف محطة جاز الجديدة للميترو والحافلات يقع السوق الأسبوعي أوبيس  Marché aux Puces، وهو سوق يتم نصبه كل يوم أحد وفيه يباع كل شيء وفيه يتم تدوير الأشياء المستعملة من كل الأنواع والأصناف وهو شبيه تماما بسوق العتبة بمدينة القاهرة، أو سوق الواد سابا بمدينة باتتنة.. هذا السوق الذي يأمه الآلاف من الجاليات العربية والمسلمة (50 ألف أسبوعيا حسب تقديرات السلطات الفرنسية) بمساحة تقدر بأكثر من 4 هكتار، وبأكثر من ألف تاجر، وعند التجوال بين جنباته يندر أن تسمع كلمة باللغة الفرنسية، بل يخيل إليك أنك في أحد الأسواق الأسبوعية الجزائرية، أين تسمع المنادين بأسعار سلعهم، وهناك جزء مغطى من السوق يتم بيع اللحوم والخضر والفواكه فيه.

السلطات الفرنسية ضاقت ذرعا بهذا السوق الذي يعطي هوية مختلفة لأحياء الشمال المارسيلي، ولذلك أعدت مشروعا لإعادة تهيئته سيتم الشروع فيه قريبا برعاية من أحد البنوك المحلية، غير أن مرتادي السوق استشعروا الخطر وبدأوا في إجراء اتصالات مكثفة مع ممثليهم والمترشحين للانتخابات البلدية التي ستجري بعد أيام من أجل عدم التضييق على هذا السوق الذي يعتبر متحفا مفتوحا على الطبيعة يؤرخ لتاريخ الجاليات العربية بمدينة مرسيليا وفيه يتم اللقاء وتداول الأخبار وعقد الصفقات وغيرها..

أحياء شمال مرسيليا.. هنا تعشش المافيا

لا يمكن تحديد عدد الأحياء التي تنتمي إلى هذه المنطقة عالية الحساسية في مدينة مرسيليا والحاضرة دوما في عناوين أخبار وسائل الإعلام الفرنسية المختلفة بسبب معدلات الجريمة المرتفعة، وكذا انتشار البطالة والقلاقل، إلى درجة أن الكثير منها لا تدخلها الشرطة الفرنسية إلا مدعمة بوحدات من الدرك والتدخل السريع. تحتل هذه الأحياء عشرات الكلمترات من مرسيليا بما يعادل ثلث مساحة المدينة على امتداد المقاطعات 13 و 14 و 15 و16،  وبتعداد سكاني يفوق 250 ألف نسمة، أغلبهم من فئة الطبقة الهشة منعدمة الدخل، والمستفيدين من امتيازات السياسات الاجتماعية التي تقرها الدولة الفرنسية التي تسميهم مختصرا HLM والتي تشير إلى صيغة السكن منخفض التكلفة التي يسدد المستفيد منها مبلغا بسيطا بينما تتكفل الدولة بالباقي.. في هذه الأحياء يقطن أكثر من نصف المستفيدين من هذه الصيغة بمدينة مرسيليا، وهم في الأغلب جزائريون وتونسيون وأتراك ومغاربة وبعض الجاليات الإفريقية.

الداخل إلى هذه الأحياء يجب أن لا يكون مضطربا وأن يعطي الانطباع بأنه من السكان المحليين حيث العيون تلاحق الغرباء، والإشارات المتبادلة بين مجموعات منتشرة هنا وهناك لشباب هي التي تحدد موقفهم منك، هنا قد تصاب بالذعر عندما تصادفك ثنائيات من الملثمين يراقبون مناطق معينة، إلا أنهم لا يتحدثون مع الأشخاص العاديين، ويبدوا أن لهم مهام خاصة جدا في هذا الحي.. يقال بأن المخدرات يتم تداولها علنا بين هؤلاء الشباب أقوياء البنية المنتظمين في جماعات تمتلك حتى الأسلحة النارية والحربية، وفي أحيان كثيرة تندلع مواجهات بينهم وتخلف القتلى والجرحى وقد ذهب عدد من أبناء خنشلة ضحية مثل هذه المواجهات التي تكون عادة بين كارتلات تتاجر في الممنوعات، كالأسلحة أو المخدرات أو غير ذلك..

من هنا مر زين الدين زيدان

في حي لاكاستالان la castallene بالضاحية الشمالية لمرسيليا نشأ زين الدين زيدان صاحب النطحة الشهيرة في كأس العالم، ومدرب ريال مدريد والحاصل على ألقاب عالمية كثيرة.. في هذا الحي ترعرع زيدان المنحدر من أبوين جزائريين انتقلا إلى فرنسا من منطقة بجاية سنة 1953.

يقول “مجيد” وهو واحد من سكان المنطقة بأن عائلة زيدان المكونة من خمسة أطفال عاشت في شقة في Place Tartane، بالقرب من سوبر ماركت Casino حيث يعمل والده. وكان يسمى هنا “Yazid” أو “Yaz”، من طرف المقربين منه.. كان يزيد خجولا يشارك أترابه فقط في كرة القدم وكذلك في الجودو، وهي رياضته المفضلة الثانية التي مارسها حتى سن 11 عاما في المركز الاجتماعي في لاكاستيلان.

ويضيف بأن زيدان انظم إلى فريق SO Septèmes-les-Vallons حيث ارتدي القميص الأصفر والأحمر لهذا النادي في الضواحي الشمالية لمرسيليا. قبل أن ينتقل للتدريب واللعب في استاد فيلودروم شرق مرسيليا، ثم انضم إلى مركز للتكوين تابع لأولمبيك مرسيليا ومنه إلى الفريق المحلي، حيث أصبح من أشهر لاعبيه قبل الالتحاق بالفريق الوطني الفرنسي.

ورغم الظروف البائسة التي يعيش فيها سكان هذه الأحياء لاسيما الشباب، فإنهم يفتخرون بكون زيزو هو واحد منهم، ولذلك فهم دائما يحاججون الفرنسيين عندما يشعرون بالعنصرية المتنامية، بأن صانع أمجادهم هو بن لاكاستالان، الحي الساخن شمال مرسيليا.

فريق زيدان الصغير في مرسيليا

 

صلاة الجمعة .. في انتظار المسجد الكبير

بحي سان لويس غير بعيد عن لاكاستالان صادف وجودنا هناك موعد صلاة الجمعة فبحثنا عن أقرب مسجد للصلاة فقيل لنا بأن المساجد عادة ما تكون تحت مسمى المراكز الثقافية، وتم إرشادنا إلى المركز المتعدد الثقافات – الإنصاف – هذا المركز هو عمارة سكنية من طابق واحد تم تهيئته ليصبح مسجدا بميضأة.. يستوعب المسجد المئات من المصلين، كانت خطبة الإمام باللغتين العربية والفرنسية من أحسن الخطب التي استمعنا إليها، حيث بدا الإمام متمكنا جدا من عمله، وكان أغلب الحاضرين من فئة الشباب الذين يلبسون لباس الجمعة.. هناك لا يمكنك التفرقة بين المسجد في البلاد الإسلامية وهذه الأماكن المخصصة للعبادة تحت إشراف السلطات الفرنسية، حيث يتم جمع الصدقات ومعالجة مختلف المشكلات، كما يتم الخوض في القضايا السياسية ذات العلاقة بوضع الجاليات المسلمة، ويعتبر الإمام والهيئة المديرة معه مشرفين على المركز ووسطاء مع السكان في حال وقوع مشكلات معينة.. خاصة في الأحياء الساخنة.

في مرسيليا هناك قرابة 60 مسجداً أو قاعة للصلاة في مختلف أطراف  المدينة وإلى جانب هذه الأماكن المحددة فإن المسلمون يصلون في مرائب السيارات وفي الساحات العامة متى سمحت الفرصة لفعل ذلك، أما في رمضان فتُحي الشعائر في المساجد كما هو معمول به في جميع الدول الإسلامية،
أما مشروع تشييد مسجد كبير في مرسيليا فقد مازال حلما منذ سنوات تزيد عن العشر، ولم ير النور حتى اليوم. حيث تشكلت جمعية بهدف الحصول على قطعة أرض بعقد إيجار بصيغة خاصة من طرف بلدية مرسيليا. وكان الاتفاق أن تكون مدة العقد 50 سنة. أي أن يجري تشييد المسجد على تلك الأرض ولو أنها مؤجرة وليست ملكاً للجمعية أو للجالية. ومع انتهاء المدة المقررة يعاد النظر في تجديد الاتفاق، وفي حال لم يحصل التجديد تصبح الأرض والبناء معاً ملكاً للبلدية.

يقول الودي أحد الجزائريين هناك “بعد سنوات من التفكير والأخذ والرد، لم تستطع الجمعية الشروع في مشروع بناء المسجد بسبب قلة المال، وعندما رأى مسؤولو البلدية أن المشروع لم يبدأ بعد مرور 5 سنوات تقريباً، وهو ما ينص عليه الاتفاق، وضعوا حداً له لأن الجمعية لم تحترم بنداً من بنود الاتفاق”.  بهذا أصرت البلدية على استرجاع الأرض لأن الجمعية غير قادرة أصلاً على دفع الإيجار، فكيف لها أن تبني مسجداً يكلف 22 مليون يورو مع ملحقاته الثقافية؟

مرسيليا الأخرى.. من أجل مواجهة المد الإسلامي

تضيق السلطات الفرنسية درعا بتمركز الجاليات العربية والمسلمة في مناطق معينة في أغلب مدنها، ولذلك يساورها هذا الهاجس ويتم تناوله على أعلى المستويات، في حين يتخذه اليمين المتطرف برنامجا انتخابيا، ذلك أن التوازن الديمغرافي في كثير من المدن بدأ يرجح كفة الجاليات المسلمة التي يصل بعضها إلى الجيل الرابع والخامس.

في مرسيليا تبرز هذه المشكلة بحدة، ولذلك تحرص الحكومة المركزية على كبح المد الهوياتي في الأحياء المخصصة للفرنسيين والتي تأخذ حظا كبيرا من التطوير والعناية، عكس الأحياء التي ينتشر فيها العرب والمسلمون وهم في أغلبيتهم جزائريون.. يظهر ذلك بوضوح في منطقة Périer التي تتواجد بها القنصلية الجزائرية وكذلك برادو وسان بيار وغيرها.

في هذه المناطق تنتشر المحلات الفخمة والفنادق الكبيرة والبنوك والكنائس، ويندر أن تجد بها جزائريين أو عربا إلا السواح أو سكان المناطق الأخرى المتسوقون، حيث يظهر جليا انقسام مدينة مرسيليا على نفسها إلى حضارتين وهويتين، لكنهما تتعايشان ويحترم كل طرف حدود الآخر بما يضمن عدم وقوع المشكلات العرقية التي تتشدد بشأنها القوانين، ولذلك لا يصح القول بأن مرسيليا هي الولاية الجزائرية رقم 49، بل جزء منها فقط وحصريا وسط المدينة القديمة وشمالها في حين تؤول المنطقة الشاطئية أين تنتشر المركبات السياحية على ساحل كوت دازور إضافة إلى شرق المدينة حصريا إلى الفرنسيين وإلى قوميات أخرى من المهاجرين.

 

مستقبل الجالية الجزائرية في مرسيليا

صحيح أن مرسيليا هي الوجهة الأولى المفضلة التي يذهب إليها الجزائريون سواء بطريقة رسمية وقانونية أو حراقة عبر الزوارق وذلك بسبب وجود حاضنة اجتماعية لهؤلاء، أين تنتشر مظاهر التكافل الاجتماعي والمساعدات المختلفة للوافدين الجدد، إلا أن الجزائريين هناك ليسوا منظمين في تجمعات شبه رسمية للمجتمع المدني، ولا يمثلون قوة ضغط أو لوبيهات يمكنها التأثير على السلطات المحلية رغم كثرتهم وهذا ما جعل صوتهم ضعيفا أمام قوميات أخرى، وأمام السلطات الفرنسية رغم ترشح عدد من الجزائريين والجزائريات لمناصب البلدية في الانتخابات التي ستجري في الأيام المقبلة، وهذا ما كشف عنه عدد من الذين تحدثنا إليهم، إذ تطغى السلبية على الأغلبية الذين يشتغلون في مجالات محددة كالأمن والصيانة والتجارة والأشغال اليدوية المختلفة، في حين يبقى مجال التنسيق مع نواب الجالية في البرلمان الجزائري مسألة فيها الكثير من الغموض، حيث لا يشعر المهاجرون بأي عناية خاصة من الدولة الأم رغم انشغالهم اليومي بما يحدث في الجزائر ومشاركتهم النوعية والكمية في مسيرات الحراك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق