العمود

الإساءة للرموز

بصراحة

يبدو أن مجتمعنا قد اصطدم منذ سنوات خاصة الأخيرة بواقع فرضته ممارسات نشأت في خضم صراعات سياسية وإيديولوجية، وهذه الممارسات لم تكن سوى تراكمات لأفكار أخذت تتغير تدريجيا بتغير البيئة السياسية في البلاد، ولأن الأخيرة قد عرفت تدهورا فإنه كان من الطبيعي أن تتدهور معها شخصية وعقلية الأفراد في البلاد، بمعنى أن السياسات المنتهجة في كثير من المجالات والقطاعات في البلاد قد فرضت على الكثير من الجزائريين أن يتكيفوا معها ليتمكنوا من معايشة الواقع المفروض عليهم، بمعنى أن المواطن الجزائري البسيط قد لا يتمكن من الحصول على غايته إن هو حاول الوقوف في وجه السياسة المنتهجة من طرف مؤسسة معينة، والمواطن الجزائري لا يمكنه أن ينجح في الحصول على منصب ما إلا إذا قدم تنازلات تتماشى وما تفرضه السياسة الواجب اتباعها للحصول على منصب والاستمرار فيه، ولهذا فإن الواقع في كثير من القطاعات والمجالات في بلادنا قد أصبح خلال السنوات الأخيرة أشبه بلعبة، إما أن يقبل الفرد بقوانينها وإما فلا يمكنه أن يكون جزءا أو طرفا في اللعبة وهكذا تم إخراج وتحييد وعزل كل من لا يعترف بهذه القوانين وكل من لا “يوافق ويدعم” السياسات المنتهجة والممارسات المفروضة.

الغريب ليس في تغير الواقع إلى الأسوء في بلادنا، بل إن الغريب هو أن التغيير إلى الأسوء قد تم على مراحل، كان أهم هذه المراحل أو بالأحرى كان من بين المراحل التي ساهمت بشكل كبير في نجاح التغيير إلى الأسوء هي مرحلة “شرعنة الممارسات العفنة وشرعنة السياسات الهدامة”، أي أن هذه المرحلة قد كانت عبارة عن تحلية للسم، بمعنى جعل السم حلوا كي يسهل ابتلاعه، ومن بين الأمثلة أن تمت تسمية  الرشوة بالقهوة، أو العسل، ففي وقت ليس ببعيد وحتى الآن، تعتبر القهوة عند الجزائريين رمزا للكرم وحسن الضيافة، حتى العسل، كان عبارة عن طبق يقدم للضيوف للتعبير عن “الكرم”، والمؤسف أن القهوة والعسل قد باتا عبارة عن “شيفرة” للتلميح إلى “الرشوة” التي يتم تقديمها من أجل الوصول إلى “غاية ما”، وما القهوة والعسل إلا نقطة من بحر ما تم الإساءة إليه من رموز “للقيم والأخلاق” التي يتمتع بها الجزائريون بإعادة استعمالها للتعبير عن ممارسات غير أخلاقية.

إن الفخ الذي وقع فيه الجزائريون هو أنهم تقبلوا الممارسات السيئة على أنها واقع “في بداياتها” وما حدث هو أن هذه الممارسات لم تصبح مجرد واقع يمكن تغييره بل إنها باتت ثقافة قد يصعب اجتثاثها خاصة وأنها ترسخت بشكل فظيع جدا.

سمير بوخنوفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق