إسلاميات

الإكثار من التوبة والاستغفار مفتاح كل خير

قال تعالى: "وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ" سورة هود الآية 52

شريعة الله جاءت بما فيه صلاح البلاد والعباد، جاءت بالحث على كل خير، والتحذير من كل شر، فكل خير قد حثنا المولى عليه، وكل شر حذرنا منه، ومما حثنا عليه الاستغفار، فقد جاءت نصوص كثيرة بالحث عليه، والترغيب فيه، ومدح أهله، ومن ذلك قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [البقرة(199)]، وقوله: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)[هود(3 )]

وقوله: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ)[آل عمران(17)]، وقوله: (وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الذاريات(18)]، وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ)[آل عمران(135)]، وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً)[النساء(110)]،

وكقوله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم، ولجاء بقومِ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم)).

وليس في الحديث التساهل في الوقوع في الذنب، ثم الاستغفار بعد ذلك؛ وإنما فيه بيان لحالة العبد بعد توبته واستغفار من الذنب، وأنه إذا أذنب فقد جعل الله له مخرجا من ذلك بالتوبة والاستغفار، قال ابن عثيمين – رحمه الله-: “وهذا ترغيب في أن الإنسان إذا أذنب، فليستغفر الله، فإنه إذا استغفر الله – عز وجل- بنية صادقة، وقلب موقن، فإنه الله تعالى يغفر له: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)” [الزمر(53)]، وغير ذلك من نصوص الكتاب والسنة الحاثة على الاستغفار، والمرغية فيه..

وإذا تاب العبد إلى ربه، واستغفره، وأناب إليه؛ فإن نفع ذلك يعود إلى العبد نفسه، فإن الله يكرمه بكرامات عديدة، ويمنحه فوائد جليلة، ويغدق عليه بذلك ثمرات كثيرة، ومن هذه الفوائد والثمرات ما يلي:

أولا: الاستجابة لنصوص الكتاب والسنة: التي جاءت بالحث على ذلك، وكذلك الاقتداء والتأسي بأنبياء الله ورسله؛ فإنهم كانوا يكثرون من التوبة والاستغفار، وكذلك التشبه بكل عبد صالح مستغفر.

ثانيا: المتاع الحسن في الدنيا، وإيتاء كل ذي فضل فضله في الآخرة: قال الله -جل شأنه-: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)[هود(3)].

يقول ابن كثير -رحمه الله- عند تفسيره لهذه الآية: “أي وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة والتوبة منها إلى الله -عز وجل- فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك: (يمتعكم متاعا حسنا) أي في الدنيا (إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله) أي في الدار الآخرة”.

ثالثا: إنزال المطر وزيادة القوة: قال تعالى عن هود -عليه السلام- أنه قال لقومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) [هود(52)].

يقول البغوي – رحمه الله- عند تفسيره لهذه الآية: “أي: يرسل المطر عليكم متتابعا مرة بعد أخرى في أوقات الحاجة: (ويزدكم قوة إلى قوتكم) أي: شدة مع شدتكم، وذلك أن الله -عز وجل- حبس عنهم القطر ثلاث سنين، وأعقم أرحام نسائهم، فلم يلدن”.

فالاستغفار مع الإقلاع عن الذنب سببٌ للخصب والنماء وكثرة الرزق وزيادة العزّة والمنعة، يقول ابن كثير – رحمه الله-: “ومن اتصف بهذه الصفة- أي صفة الاستغفار-، يسر الله عليه رزقه، وسهل عليه أمره، وحفظ عليه شأنه وقوته، ولهذا قال: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً) [نوح(11)].

رابعا: إجابة الدعاء: قال تعالى حاكيا عن صالح -عليه السلام- أنه قال لقومه: (اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) [هود(61)]، فوعد الله من استغفره وتاب إليه، بإجابة الدعاء، وشواهد ذلك في التاريخ كثيرة..

خامسا: أن المستغفرين ممن شملتهم رحمة الله ووده: فهذا نبي لله شعيب -عليه السلام- يقول لقومه: (وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) [هود(90)].

فإذا كثرت الذنوب، وقل الاستغفار أو انعدم، فالعذاب سيحصل لا محالة؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) فالاستغفار سبب لمنع العذاب.

سادسا: ومن فوائده أنه سبب في هلاك الشيطان: فقد قال ابن القيم – رحمه الله-: إن إبليس قال: “أهلكت بني آدم بالذنوب وأهلكوني بالاستغفار، وبـ” لا إله إلا الله” فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاء”.

سابعا: أنه سبب لانشراح الصدر: جاء في حديث ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب)).

ثامنا: أن المستغفر يتعبد لربه -عز وجل- ويقر له بصفة الغفار: فهو يستشعر معنى قوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى)[طـه(82)]، ويستشعر كذلك جميع الآيات التي وعد الله أخبر الله أو سمى أو وصف نفسه بالمغفرة والغفور والغفار، وما أشبه ذلك..

وغير ذلك من الفوائد والثمرات التي لا تحصى، وفقنا الله جميعا إلى التوبة والاستغفار، ومنحنا هذه الفوائد والثمرات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عبده قايد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.