إسلاميات

الاحتكار جريمة ضد الإنسانية تستوجب الطرد من رحمة الله

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ سورة المائدة الآية 33

يقول الحق – تبارك وتعالى -: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].

فالوسطية دعامة من دعائم النظام الإسلامي، وهي من أهمِّ دعامات الحياة الاجتماعيَّة للمسلمين، وهى مطلوبةٌ في كلِّ أمرٍ من أمورِ الدنيا أوِ العمل للآخرة؛ لذلك يرفُض الإسلام في نظامِه المالي تِلك الفرديَّة المتطرِّفة التي يرعاها النِّظام الرأْسمالي، والتي تتجاهل حقوقَ الجماعة، وتُتيحُ للفَرْدِ أن ينكر مصالِح الجماعة ويتناساها في سبيل تَحقيق أعلى نسبةٍ من الرِّبْح مُمكنة.

فالإسلام في ربْطِه الأبدي بين المادَّة والروح، فِطْرةَ الإنسان التي فُطِر عليها – يدعو أفراد المجتمع المؤمنين لأنْ يتسامَوا في دوافعِهم الذاتيَّة؛ لأنَّ للتضحية من أجل الإخاء الإسلامي أجزلَ الثواب عند الله؛ لأنَّ المسلم في عمله إنَّما يبتغي وجه الله أوَّلاً ويرعاه في تصرُّفاته.

فيحبب الإسلام إلى التجار إرْخاص الأسعار للتيسير على النَّاس؛ لما في ذلك من مرضاة الله والفوْز بثوابه.

ولقد نهى الإسلام عن التغالي في الرِّبْح، وعن الفحْش في الكسب؛ لأنَّ قلَّة الربْح مع كثرة البَيْع تؤدِّيان إلى وفْرة المكسب مع التيْسير على المُسلمين، وكان عليُّ بن أبي طالب يدورُ في سوق الكوفة ويقول: معاشرَ التُّجار، خذوا الحقَّ تَسْلموا، ولا تردُّوا قليل الربح فتُحرموا كثيرَه.

وإذا كان الجالب مُجاهدًا في سبيل الله – كما جاء الحديثُ الشريف – لأنَّه يرفع الحرجَ عن الناس وييسِّر لهم أمورَ معاشِهم، فإنَّ المحتكر خارجٌ على دين الله، كافرٌ بنعمة الإسلام، كما يقرِّر الرسولُ – صلَّى الله عليه وسَلَّم – في الحديث نفسِه.

والأحاديث الواردة عن رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في النهي عن الاحْتِكار وإظهار بشاعة جريمتِه كثيرة، نذكر منها: ((الجالب مرزوقٌ والمحتَكِر ملعون))؛ رواه ابن ماجه والدارمي.

والإسلام يُحارب الاحتكار لما فيه من إهدارٍ لحريَّة التِّجارة والصناعة، وتحكُّم في الأسواق يَستطيعُ معه المحتكِر أن يفرِض ما شاء من أسْعار على النَّاس، فيُرهِقُهم ويُضاربُهم في معاشِهم وكسْبِهم.

إنَّ الاحتِكار جريمةٌ ضدَّ الإنسانيَّة تستوجِبُ الطَّرد من رحمة الله؛ ولذلك قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الجالب مرزوق والمحتكر ملعون))؛ لأنَّ المحتكرين – كما يقول جون آيز، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأمريكية – تائِهون في مُطاردة المال الذي يَجب أن يكون الوسيلةَ إلى الحياة الطيِّبة، لا غاية في ذاته، حتى نسُوا الغاية وأمعنوا في التعلُّق بالوسيلة.

لكن هذا الشخص الذي يستحلُّ إخفاء طعامِ النَّاس، أو منْع دواء عن مريض، ألا يُعَدُّ مفسدًا في الأرض بما يُثير من قلَقٍ في النُّفوس، واضطِراب في الأوضاع، ومرارةٍ في الصدور؟ ألا ينطبق عليْه قول الحقِّ – تبارك وتعالى -: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: 33].

إنَّ مثل هذا الرَّجل حرب على الإسلام، يحادُّ الله ورسوله بما يسعى فيه من زرْع الآلام والأحقاد بين النَّاس، بينما الإسلام يسعى إلى السلام وبسْط الرَّحْمة والطُّمأنينة في النُّفوس.

ولو أنَّ أهل التِّجارة والصناعة والزِّراعة اتَّجهوا في عملِهم إلى الله، واحتسبوا في سبيل الله، وآمَنوا بأنَّ الله ذو حقٍّ في المال، بل هو الخالقُ الرازقُ مقسِّم الأرْزاق – لمَا وجدوا سببًا للخُصومة والفرْقة بسبب المال، ولسعَوْا إلى تَحصيله وإنْمائه بِهذه العقيدة؛ لأنَّ البسطةَ في المال والضيق فيه مرهونانِ بِمشيئة الله.

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 30].

وطالما اعتقدوا أيضا أنه لابد أن يكون وضع الرِّزق في معايش الناس على هذا النحو من السعة والضِّيق لصالح المجتمع وأمْنِه؛ {﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: 27]، طالما اعتقدوا هذا وذاك، فلا مجال في سعْيِهم ونشاطهم للبَغْضاء والشحناء، ولا للحسَد والحقد، والسبيل إلى الانتِفاع بنعمة الله في المال بعد الجهْد، وإعداد النفْس للسَّعْي – هو التوجُّه إلى الله في إخلاص وفي عمل صالح؛ ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32].

وفي ظل هذه العقيدة الداعية إلى السَّلام، وإلى ابتغاء وجْهِ الله في كل سعي، من الممكن أن تمضي المنافسة في عالم المال في إطار السلام ودعوة الإسلام.

سيد أحمد الشاعر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق