العمود

الاحتلال الجزائري لفرنسا

أتساءل دائما: من يتحدث فعلا حينما يتحدث جاك أطالي؟

هذا الفيلسوف المفكر الموسوعي الفرنسي ذو الأصول الجزائرية الذي يحاضر باستمرار وفي كل المجامع متحدثا بحرية كبيرة عن أمور يحدث ألا تسمعها إلا منه…

رجل كثيف الظلال لأنك تجده صديقا مقربا من كل رجال الحكم الفرنسيين على اختلاف مشاربهم وعائلاتهم السياسية واتجاهاتهم.

إنه روائي ومنظـِّر وكاتب اقتصادي واجتماعي فرنسي من أصول يهودية، مارس عدة وظائف في أعلى المصاف، فقد عرفناه مبكرا مستشاراً للرئيس فرانسوا ميتران من المقربين جدا منه ومن اللاعبين لأهم الأدوار في اتخاذ القرارات الحاسمة، وذلك من 1981 حتى 1991؛ الفترة التي انتهت به  كأول رئيس للمؤسسة الهامة جدا “البنك الاوروپي لإعادة البناء والتنمية”  في 1991-1993. لكي نجده في عام 1997 على رأس هيئة مقترحة حكوميا لبرنامج اصلاحات لنظام درجات التعليم العالي.  وفي 2008-2010، سيقود لجنة حكومية لبحث كيفية تنشيط نمو الاقتصاد الفرنسي، في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي…بعدها سيكون مقربا من اللجان الدائمة للرئاسة في عهد الرئيس فرانسوا هولاند الذي سيكون مستشارا له أيضا، وسيكون أحد مستشاريه المقربين منه هو الرئيس الحالي ” إيمانويل ماكرون” الذي كان جاك أطالي قد تنبأ له قبيل ترأسه لفرنسا بأنه لا يستبعد أن يجده ذات يوم رئيسا لفرنسا بسبب الصفات الكثيرة المؤهلة لذلك التي يراها فيه.

ينتمي هذا اليهودي الجزائري البارع في المالية والاستراتيجيات إلى كل الدوائر المتحكمة في العالم، من مجموعة بيلدربيرغ إلى المجتمع المالي العالمي إلى كثير من اللجان ذات النفوذ والقرار يمينا ويسارا. وعلينا أن نتأمل جيدا هذه الصفة الجزائرية غير الفرنسية – للتفكه وللجد أيضا، لأنه الفكاهة أمر علينا أخذه على محمل الجد-؛ أقصد الصفة التي تجعل المرء في كل مكان في كل وقت…صفة كثيرا ما عدها المجتمع الجزائري علامة على الفساد والخلل العقلي للمجتمع وخروج قطار الأشياء عن سكته.

يطرح السؤال جديا عن هذا المفكر الذي نجده مقربا من أربع حكومات متعاقبة منها يسارية الغلبة ومنها يمينيتها. هل يعني هذا أن هنالك خللا في المنظومة السياسية العالمية (على اعتبار كون فرنسا إحدى الواجهات العالمية الهامة سياسيا وثقافيا واقتصاديا)؟.

إجابتي السريعة ستكون بالإيجاب. هنالك خلل فعلا. حينما يطبق رئيس يساري التدابير التي يبشر بها رئيس يميني، فالمعنى واحد: إنه لم يعد هنالك فرق بين الاتجاهين السياسيين الكلاسيكيين اللذين كانا دائما عينا حكيمة لأحدهما على الآخر، لأجل تصحيح أخطائه من خلال جهاز المعارضة السياسية.

فهل وجود رجل مثل هذا الجزائري على رأس هيئات ولجان كثيرة من هذا القبيل هو نوع من الإنذار بسقوط منظومة عالمية سليمة ما لفائدة منظومة أخرى لا تبشر بالخير؟.

إجابتي الأخرى ستكون بالإيجاب.

هناك ميل لدى فلاسفة الحكم المعاصرين للتفكير بأن الديموقراطية العالمية تعاني أزمة خانقة. إننا أمام أوضاع متفرقة في العالم تؤذن بعودة ذلك التشكك الأثيني القديم في حصاد هذه الممارسة، إن الديموقراطية هي النظام السياسي الأمثل الذي بلغه إنسان القرن العشرين لأجل ممارسة نوع من التعقل والحكمة في تسيير الشأن العام، بشكل يضمن الحرية الاجتماعية والانفتاح السياسي على الناس أجمعين، كما يضمن مساواة معينة في الحق في الإدلاء بالرأي، وكذلك تعقلا معينا ورشادا مقبولا في ميدان العدالة الاجتماعية.

ماذا يحدث اليوم يا ترى؟

هل نحن في عهد شمولية ديمقراطية جديدة؟ هل هي عودة عالم كتاب جورج أورويل “عام 1984″؟ هل أفضى كل هذا الحفر في الديمقراطية إلى نفق بلا مخرج؟.

إجابتي الثالثة بناء على تتبع محاضرات جاك أطالي ستكون بالإيجاب أيضا.

جاك أطالي، الجزائري الفرنسي ولكن “العالمي” فوق كل هذا،  يقول في لقاء أجرته معه إحدى القنوات الإخبارية إن الديمقراطية في أزمة وإن نظام هيمنة الأسواق هو منقذها الوحيد.

ويقول إن حالة الطوارئ الأمنية هي المخرج الوحيد للدول القوية وأنه يتوقع أن تدوم حالات الطوارئ المعلنة هنا وهنالك إلى ما لا حد له من الزمن في المستقبل، كما يقول: إن رؤساء الدول لم يعد لديهم الكثير من القرارات ليتخذوه، لأن أهم ما يسير العالم هو قانون السوق، فالأسواق تملي قانونها على الجميع وتسحق كل من يقف في وجهها من خدام الأسواق وموظفيها الذين بعضهم هم رؤساء الدول القوية.

السؤال: ماذا بعد؟

ليست لدي إجابة للأسف الشديد…وربما أكون خائفا من الإجابة الممكنة التي تراود ذهني الآن.

فيصل الأحمر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق