إسلاميات

الانتحار.. خروج من رحمة الله

قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ سورة النساء الآية 29

النفس أمانة عند صاحبها، والأجساد بما فيها؛ الحواس من أسماع وأبصار ونحوها من نِعَم الله على الإنسان، يجب شكر هذه النعم لا التخلص منها، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ النساء: 29، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ الفرقان: 68، 69 فكيف بمن قتل نفسه التي استودعه الله إياها؟.

إن قتل الإنسان نفسَه محرم لا يجوز الإقدام عليه، ولا التفكير فيه، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ رضي الله عنه ورحمه: (أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ) -يعني الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة،- (حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: («… وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ»).

فمن لم يرض بقضاء الله، وتسخَّط من فعل الله، وجزع من قدر الله سبحانه وتعالى فقتل نفسه، فحرام عليه الجنة، وجاءت الأحاديث في المنتحرين وقاتلي أنفسهم، فيمن سبقنا من الأمم:

فقد قال صلى الله عليه وسلم: (“كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ)، – أي ما توقف – (حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ”).

وثبت أنَّ قتْلَ النفسِ وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا مقاتل شجاع، يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في إحدى المعارك، ولكنه انتحر لأنّه جزع ولم يصبر على جراحاته، فكان من أهل النار، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَقَى هُوَ وَالـمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ رَجُلٌ لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلاَ فَاذَّةً)، -لا يترك لهم نفْسا منفردة ولا فارّة أو هاربة- (إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ)، فَقِيلَ: (مَا أَجْزَأَ مِنَّا اليَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلاَنٌ)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»)، -مع أنه مقاتل شجاع، وفعلَ ما لم يفعلْه غيرُه من المسلمين، ولكنه من أهل النار،- فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: (أَنَا صَاحِبُهُ)، -يعني سأتبعه وألاحقه وأراقبه، ما الذي سيجعله من أهل النار- قَالَ: (فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ)، قَالَ: (فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الـمَوْتَ، فَوَضَعَ سَيْفَهُ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ) – أي: طرفه- (بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ)، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: (أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ!) قَالَ: («وَمَا ذَاكَ؟») – ما الذي دعاك أن تشهد الآن بأني رسول الله؟- قَالَ: (الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا؛ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الـمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ: («إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ -تعالى- عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ»).

وفي رواية: («مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا”)، -أي شرب سُمًّا- (“فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ”) -أي يطعن- (“بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».

فكيف بمن حرَق نفسه؟ الذي يخنقها بحبل أو يخنقها بيديه، أو يخنقها في غرفة يغلق بابها ويفتح الغاز أو ما شابه ذلك، هذا كله خنق.

ومن تردى عمدا من شاهق سواء جبل أو بيت عال، أو برج من الأبراج، أو من فوق شجرة، فسقط فمات فهو في النار.

ومن تحسَّى سمًّا، أيّ نوع من أنواع السموم سواء كانت سموما بيضاء؛ من مخدرات ونحوها، أو كانت سموما من الأدوية المعروفة المتداولة لصداع الرأس، أو ما شابه ذلك، فيأخذها بكثرة بنية أن يموت.

ومن قتل نفسه بحديدة؛ سكين أو سيف، أو سلاح ناري أو ما شابه ذلك، يدخل في هذا كله أنه يوم القيامة يأتي بما كان سببا في قتله، فيقتل نفسه في نار جهنم مراتٍ عديدة، ليذوق وبال أمره.

وهل يصلى على قاتل نفسه؟ نعم يُصلَّى عليه، إذا مات مسلما، فعل هذه الفعلة بين المسلمين، ولكن ولا يصلِّي عليه الإمام، والمقصود به الخليفة أو من ينيبه، ويصلي عليه بقية الناس، فقد جاء وثبت عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أنه قَالَ: (أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ)، – وهي عبارة عن السهام عريضة النصل- (فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ).

قال الترمذي: وَاخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا، -أي: في الصلاة على قاتل نفسه- فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَنْ صَلَّى إِلَى القِبْلَةِ، – الذي يصلي إلى القبلة-، وَعَلَى قَاتِلِ النَّفْسِ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وقَالَ – الإمام- أَحْمَدُ: (لَا يُصَلِّي الإِمَامُ عَلَى قَاتِلِ النَّفْسِ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ غَيْرُ الإِمَامِ).

وفي رواية عند النسائي وأبي داود: (“أَمَّا أَنَا”) – أي: النبي صلى الله عليه وسلم- (“فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ”).  – أي: على قاتل نفسه،- قَالَ شَرِيك: وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ أَدَبًا. يعني عدم صلاته صلى الله عليه وسلم على قاتل النفس تأديبا لغيره، وزجرا لغير قاتل النفس أن يحذو حذوه فيقتل نفسه.

فؤاد بن يوسف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق