ثقافة

الباحث الأكاديمي بن غالية معتز بالله لـ “الأوراس نيوز” “أسعى لإثراء المكتبة العلمية الأوراسية وتصوير بعض الوثائقيات الأثنولوجية حول المنطقة”

جعل محور اهتماماته البحثية التركيبة السوسيو-ثقافية للمجتمع الأوراسي، ويعد باحث دائم بالمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ، الأنثروبولوجيا والتاريخ وأستاذ جامعي، CNRPAH، قدم العديد من الدراسات والمحاضرات حول المنظور الثقافي للنظام القبلي في ولاية خنشلة كرسالة ماجستير، وأطروحة دكتوراه حول البناء السوسيو- ثقافي للنظام القبلي في الأوراس.

هو الدكتور والباحث الأكاديمي “بن غالية معتز بالله”، الذي وضع بصمة مميزة ومجهود جبار حول مختلف الفنون الاوراسي والأدب الامازيغي والرموز المختلفة التي تقبع في دائرة العادات والتقاليد المتوارثة، يحل ضيفا على صفحات الاوراس نيوز بثقل الهوية التي يحملها والتي يعمل على جعلها منارة لكل الباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي الاوراسي والأمازيغي في هذا الحوار:

ـــــــــــــــــــــــ

حوار: رقية لحمر

ـــــــــــــــــــــــــ

بن غالية معتز بالله باحث دائم بالمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ، الأنثروبولوجيا والتاريخ، ومن النادر جدا أن نجد شباب يتوجهون لمثل هذه الدراسات، وهذا أمر مدهش حقا، هل يعود ذلك لكونك تأثرت بمنطقة خنشلة الأوراسية، حدثنا عن بداياتك في هذا التوجه؟

بداية، أود التوجه بالشكر لجريدكم المحترمة لمنحي فرصة الإطلالة على القارئ الكريم من خلال هذا الركن المتميز متمنيا أن يكون هذا اللقاء مفيدا وممتعا في آن واحد، أما بالنسبة لسؤالك عن بدايات التوجه، فيمكن أن أقول بإيجاز أن اختيارات الإنسان في الحياة عموما تحكمها جملة من الشروط الذاتية والموضوعية والتي باجتماعها وفق نحو معين يتحدد مساره، وقد كان بلا شك للتنشئة الاجتماعية في سنواتي الأولى دورا كبيرا في رسم هذا التوجه، حيث نشأت في أسرة مثقفة رسخت في ذاتي بطريقة لاشعورية إمكانية الجمع بين قيم الحداثة وثقافتنا ولغتنا الأمازيغية، حيث أن الوعي بحيوية وروعة وأصالة هذه الثقافة وهذه اللغة كان أسلوبا ونمطا في حياة الأسرة، لتكمل الأسرة دورها في عدم معارضتي في اختيار علم الاجتماع كفرع معرفي لطالما وددت الاختصاص فيه بعد أن أمضيت سنتين في دراسة العلوم السياسية بجامعة الجزائر إلا أنني لم أجد فيها ضالتي، دون أن أنسى دور أساتذة قسم علم الاجتماع بجامعة خنشلة في السهر على التكوين الجاد لدفعة 2007-2008 والتي كنت أحد طلبتها، ليكون  بعدها الاختصاص في مرحلة بعد التدرج ماجستير ودكتوراه شاقا وممتعا في نفس الوقت خاصة وأنا أتعامل مع هذه الثقافة بعين الأكاديمي متسلحا بتقنيات البحث العلمي الجادة والرصينة لتكون فرصة أخرى لفهم جذور هذه الثقافة والتي بقيت كالمستحاثة الحية والتي تروي للدارس والمهتم والباحث قصة شعب يأبى الزوال ولا يلبث يعيد كتابة التاريخ ورسم الجغرافيا.

 أيضا كان محور اهتماماتك البحثية حول التركيبة السوسيو-ثقافية للمجتمع الأوراسي (البناء الاجتماعي والثقافة بالمعنى الأنثروبولوجي للمصطلح)، بحوث في هذا المجال من شأنها أن تثري الثقافة الأوراسية، ماذا درست بالضبط، وما النتائج التي تحصلت عليها، وأعتقد حقا أنها ثمرة مجهود جبار من البحوث المتواصلة للوصول إلى مجموعة من النقاط الثرية في الموضوع؟

قبل الإجابة على سؤالك، أود أن أشير لملاحظة لا يزال يبديها الكثير من الأنثروبولوجيين، وهي ضرورة وجود الباحث الأنثروبولوجي من خارج الإطار الثقافي الذي يود دراسته، وحجتهم في ذلك هو وقوفه على مسافة نقدية وموضوعية من مجتمع وموضوع بحثه، ويحضرني في هذا المقام رد العالم الجزائري مولود معمري وهو أحد رواد الأنثروبولوجيا الجزائرية حول هذه النقطة والتي طرحها عليه بيار بورديو (Pierre Bourdieu) حيث أكد مولود معمري أن الدارس أيا كانت خلفيته إذا استعمل المنهج العلمي وتحلى قدر المستطاع بالموضوعية العلمية فإن وجوده وانتمائه لمجتمع بحثه لا يقلل من قيمة النتائج وهوما حصل معه شخصيا.

فقد كانت الدوافع وراء اختياري لمنطقة أوراس كمجتمع لدراستي في الماجستير والدكتوراه دوافع ذاتية وموضوعية، أخص منها بالذكر التعريف العلمي بمجتمعي وكذا محاولتي إثراء المكتبة العلمية الأوراسية بعمل أكاديمي حول التركيبة السوسيو-ثقافية لهذه المنطقة، ليكون النظام القبلي (ثاعروشيت) كبناء اجتماعي وكمنظومة ثقافية أيضا هو محور هذه الدراسات، إذ أن لهذا النظام الذي له جذور تاريخية وخصوصية سوسيولوجية عند المجتمعات الأمازيغية واختلافه عن بقية الأنظمة القبلية عند شعوب أخرى ومحاولة فهم أسباب استمراره وطرق وآليات اشتغاله في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.

رمزية والقراءات السيميوأنثروبولجية لعديد العناصر الثقافية كالرموز المستعملة في الوشم والفخار والحلي وغيرها، هل لنا أن نتعرف على بعض منها، كشرح وجيز للجمهور من القراء؟

إن الاهتمام بموضوع الرموز جاء ضمن إطار عام وهو الدراسة الأنثروبولوجية لموضوع المقدّس في المجتمعات الأمازيغية إنتاجا واستهلاكا ومفاهيم متعلقة أساسا بأشكال التدين في المنطقة عبر التاريخ، وكما يقول الأديب الفرنسي فولتير (voltaire) نحن نعيش في عالم هو غابة من الرموز فأينما تلفت الانسان في حياته اليومية تواجهه الرموز رموز ماركات سيارات أو عطور أو ملابس أو رموز لأديان وأيديولوجيات ومؤسسات، والرموز كما يشير الأنثروبولوجيون من أمثال ميرسيا إلياد(Mircea Eliade)  ”لا تفن ولا تزول وإنما تبقي في جزء من الذاكرة الجمعية للأمم والشعوب.”  فالرموز تظل عصية على الاندثار والزوال فلابد أن تستدعيها هذه الذاكرة كلما سمحت لها الفرصة ملبسة إياها لباسا جديدا يتناسب وخصوصية المرحلة الحضارية للأمة. وتجدر الإشارة أن الثقافة الأمازيغية تعتبر ثقافة رموز وفنون بامتياز ودراستنا لهذه الرموز المتعددة تسمح لنا بإعادة كتابة التاريخ الديني لمنطقتنا، حيث يظل شكل الرمز ثابتا لكنه مرن للغاية في تغيير رمزيته ودلالته من حقبة إلى أخرى مثل رمز الكبش الذي يحمل دلالة الفحولة والذكورة والقوة ليكون معبودا في فترة التاريخ القديم للإله أمون  ليصبح في الفترة المسيحية رمزا لأتباع السيد المسيح ثم في الفترة الإسلامية رمزا للأضحية في قصة النبي إبراهيم عليه السلام دون أن يتخلى على دلالاته الأولى في أي فترة وهي رمزية الفحولة والقوة.

ذكرتم أنكم قدمت العديد من المحاضرات حول الفنون الأوراسية (رقص، غناء)، الأدب الأمازيغي الشفوي، الطقوس الاحتفالية الأمازيغية، يمكن القول أنكم تعملون على طبع كتاب خاص متاح للجميع للتعرف على مثل هذه الدراسات الثمينة؟

مشروع التأليف والنشر هو هدف أي مثقف وأكاديمي، وهو ضمن مشاريعي المستقبلية، ولو أنه كانت لي فرصة نشر دراسة بسيطة حول قراءة أنثروبولوجية للرموز المستعملة في الصناعات التقليدية الأوراسية مع دار الصناعات التقليدية لولاية باتنة، ولعلي خلال هذه السنة سأنشر كتابا منوعا أتناول فيه عددا من العناصر الثقافية الأوراسية بتحليل أنثروبولوجي فأتمنى أن يكون اللقاء الثاني مع جريدتكم حول هذا الكتاب.

هل هنالك صعوبات واجهتك أثناء بحثك، خاصة وأن الأرشيف يعتبر الحاجز الكبير لدى أغلبية الباحثين لندرتها، ولنقل من كان مساعد الأستاذ بن غالية في مضمار التحدي لأرشفة التراث بطريقة بحثية؟

إن الحديث عن صعوبات البحث هو الحديث عن البحث ذاته، فالباحث والدارس يجب أن يضع في حسبانه أن أي عمل جاد وعميق لابد أن تواجهه أثناء إنجازه مجموعة معوقات وعراقيل لابد له أن يتجاوزها، فبالنسة للباحث الأنثروبولوجي والذي يستمد من الميدان جل عمله فهو يقوم بعملية تنظير الميدان أو تحويل الجزء الميداني من البحث إلى نظرية وكما يقال هو ذلك الضيف الثقيل الذي يصل دون دعوة ودون استئذان، وعليه يجب أن تمر فترة لا بأس بها ليكسب فيها ثقة مبحوثيه ويتأقلم مع مجتمع بحثه، لكن كل هذا الجهد هو جهد لا بد منه للدراسة وللعمل العلمي. أما عن المساعدات فكانت عديدة من جهات رسمية وأفراد، ولا بد أن أشير لوظيفتي كباحث في مركز بحوث لديه قاعدة بيانات علمية غزيرة من كتب ودراسات أجريت حول المجتمع الجزائري لفترة طويلة، كل هذا يصب ضمن الأمور المشجعة على مواصلة البحث.

ماذا عن جديدك في هذا المجال، وهل يمكن أن نخمن أن بن غالية أيضا يسعى للكتابة بالتيفيناغ وترجمة كتبه اثراء للمكتبة الامازيغية، أم انك ترى أن اللغة غير مهمة وإنما طريقة ايصال المعلومة؟

بالنسبة لعملية الكتابة بالأمازيغية، فأعتقد أنه من الضروري الإسراع لاتخاذ هذه الخطوة على الأقل من طرف الباحثين الذين يجيدون هذه اللغة، وذلك من أجل المساهمة في عملية تراكم تراث علمي، والمساهمة أيضا في عملية توليد المصطلحات العلمية الخاصة بلغتنا، ومن الأكيد أيضا أن خطوة معايرتها وتهيئتها اللسانية من قبل مختصين ضمن إطار الأكاديمية الوطنية للغة الأمازيغية سيكون خطوة كبيرة في وضع القاموس المرجع للباحثين والذي سيسهل كثيرا علينا الكتابة بها بمصطلحات أكاديمية كما ذكرت سابقا.

كباحث أوراسي في مجال الأثربولوجية، ماهي طموحاتك كمناضل يسعى لأرشفة تاريخه الثقافي؟

أظن أن الطموح العلمي لأي باحث لا حدود له، لكنه مرتبط بجملة من المعطيات والتي تحددها غالبا ظروف داخلية وأخرى خارجية في مسيرة الباحث، لكنني أسعى لإثراء الكتبة العلمية الأوراسية بجملة من المراجع التي تساعد الطلبة والمهتمين والمثقفين عموما في فهم طبيعة وخصوصية الثقافة الأمازيغية عموما والأوراسية خصوصا فهما علميا، كما أسعى لتصوير بعض الوثائقيات الأثنولوجية حول المنطقة ذلك أن الصورة أصبحت لغة العصر التي تفهمها جميع شرائح المجتمع، ختاما أكرر شكري للجريدة المحترمة وأتمنى أن أكون ضيفا خفيفا عليكم وعلى القارئ الكريم وأتمنى لكم مزيدا من التألق والنجاح في فضاء الإعلام الراقي والمنير.

ر. ل

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق