روبورتاجات

البحث عن “ثقلالت المال”… حين يختلط الجشع بحب المغامرة

حمــــــى الكنــوز في الأوراس...

تعرف ظاهرة التنقيب عن الذهب في الجزائر انتشارا واسعا رغم التعتيم عليها اعلاميا واجتماعيا وحتى على المستوى الرسمي، فالمتصفح لشبكات التواصل الاجتماعي يصادف عددا كبيرامن الصفحات تعنى بالبحث عن الكنوز المدفونة لحضارات غابرة وتشرح كيفية قراءة الإشارات والكتابة القديمة والرموز المشفرة لهذه على مخلفات الآثار، ويوجد الآلاف ممن يهتمون بهذه الصفحات وتسجيل إعجابهم، ما يعني أن الاهتمام بالمعادن الثمينة والآثار النادرة في ظل تواجد مناطق أثرية مهملة أو اكتشافات جديدة دون الاعلان عنها ينتشر بين الناس كالنار في الهشيم في ظل الصمت المطبق من قبل الجهات المعنية رغم وضوح القوانين في حماية  الآثار والحفاظ على الموروث الحضاري للأمة.

ـــــــــــــــــــــــ

روبورتاج: عادل خالدي

ـــــــــــــــــــــــ

الفايسبوك … اختلاط العلم بالدجل

بدأنا التقصي في الظاهرة من موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك” حيث استطعنا أن نحصي عشرات الحسابات والصفحات التي تعنى بهذا الموضوع ويكفي كتابة كلمات مفتاحية في محرك بحث الموقع مثل كلمات: كنوز، دفائن، تحليل إشارات، لتظهر لك عشرات الصفحات من هذا النوع لكنها تشترك في ميزة واحدة وهي السرية حيث لا يمكن لأي كان الانخراط في هذه الصفحات الا بعد اجراءات معقدة. حيث يشترط عليك تقديم السبب خلف رغبتك الانضمام لهذه المجموعة قبل قبولك وتمتلك كل صفحة محللين خاصين بها إضافة إلى المنضمين إليها، يتبادلون المعلومات حول كل ما يتعلق باستخراج الدفائن القديمة والكنوز، حيث يتم عرض صور وفيديوهات لأماكن يشك أصحابها أن بها كنوزا مدفونة، يظهر لك من الوهلة الأولى أنها صور عادية لأماكن جبلية أو مهجورة، ويتم عرض هده الصور على محللين ومختصين في هذه الصفحات ليؤكدوا إن كان المكان أثريا من عدمه بالاعتماد على عمليات حسابية خاصة بكل إشارة يمكن قراءتها في هذه الأمكنة.

بالإضافةإلى هذا كله تنتشر في هذه الصفحات أنشطة أخرى مثل عرض صور لأحجار يسأل أصحابها عن نوعها ومكوناتها وقيمتها المالية وإن كانت فعلا أحجار كريمة او لا، فضلا عن هذا يتم في مثل هده الصفحات عقد صفقات بيع وشراء الآثار والعملات النقدية القديمة، وآلات رصد المعادن النفيسة. ويوجد أيضا اشخاص يعرضون خدماتهم بادعائهم أنهم يملكون القدرة في استخراج هذه الكنوز، كما يوجد صنف آخر يعلنون أنهم يمكنهم تطويع الجن الذي يساعده على كشف أماكن الكنوز القديمة المدفونة، إذ تعتبر هذه الصفحات الفضاء الوحيد الذي يجاهر المشعوذون فيه بشعوذتهم دون حرج، فالغاية فوق كل اعتبار، حيث لا يمكن تبيان الخط الفاصل بين العلم والدجل.

اشارات النسر ورجل الدجاجة علامات على وجود الكنوز

تعد اشارات تمثل رموزا مثل مجسمات للسلحفاة والنسر ورجل الدجاجة وغيرها من المنقوشات الصخرية علامات على وجود نفائس وكنوز قديمة في المنطقة. ويعتمد المحللين عمليات حسابية معقدة مستعملين علم الفلك والحسابات الرياضية من قبيل الحساب التربيعي الذي يعتمد على النجوم والأشهر حسبهم، كما يتم أيضا استعمال وسائل تقليدية في تحديد المكان على غرار استخدام السيخ، وهي أسلاك نحاسية تعتمد على النشاط الكهرومغناطيسي لتحديد الفراغات والمعادن في جوف الأرض هذه الأخيرة تعتمد على عمليات حسابية ومؤشرات أكثر تعقيدا في فهم طريقة عملها ناهيك عن فهم مكان تواجد الكنز.

في الأوراس …البحث عن الدفائن حديث الغرف المغلقة

تعتبر منطقة الأوراس أحد أهم المناطق التي تستقطب هواة البحث عن الكنوز الغابرة، نظرا لتعاقب عديد الحضارات القديمة عليهاعلى غرار الحضارة الرومانية والبيزنطية والوندالية، حيث تعد المنطقة بحق مسرحا نشطا لهذه الظاهرة، فالبحث عن الكنوز يبقى أحد أهم المواضيع في قرى الأوراس ومعاقله الداخلية، حيث تفرض قساوة الطبيعة وغياب فرص التوظيف على الشباب التوجه إلى هكذا “نشاط” إن صح التعبير، من أجل تحقيق أحلامهم. وفي سعينا للحصول على إجابات وافية التقينا بمحمد الذي رفض الكشف عن لقبه أحد مزاولي هذا النشاط سابقا والذي كشف لنا العديد من أسراره.

إذ يروي للأوراس نيوز، عن تجربته والأسباب التي جعلته يدخل هدا النشاط الخطير، بقوله إن الامر بدأ كفضول والبحث عن مغامرة خاصة وأن الحكايات حول هذا الموضوع فيها الكثير من المتعة والغموض خاصة اقترانها بعالم الجن والروحانيات ووجود جن يحرس هذه الدفائن ويضيف:” عموما من يدخل هذا المجال لا ينتظر ربحا فهو إلى حد ما مقتنع في وعيه الداخلي أن نسبة الربح ضئيلة جدا.”

محمد اعتبر أن هذا المجال يوجد به جميع الفئات الاجتماعية والعمرية من الأغنياء إلى الفقراء ومن الشباب إلى الشيوخ، ولا يرتبط بطبقة اجتماعية معينة، إذ هنالك من يقوم بالبحث بوسائل تقليدية، وآخرون ممن يقتني آلات من الخارج بالملايير، وساهم في ذلك انتشار الكثير من العلامات في الأوراس التي تعتبر في هذا المجال دلالة على وجود الكنوز، على غرار السلحفاة في الأماكن المائية كالينابيع والأودية، إلى رمز العقرب والأفعى، الأجران والسداية في الأماكن الجبلية والصخرية.

أما عن السلبيات المرتبطة بهذا المجال، يردف المتحدث، أن الهوس هو أبرزها إذ تجعلك مهووسا تبحث باستمرار عن الإشارات والمغارات وتسأل عن تحليلاتها، قديما كان لكل قرية خبرائها، أم الآن فالأنترنيت هي مصدر المعلومة حيث يبرز المغاربة والتوانسة والسوريون وحتى الأجانب كخبراء يعتمد على تحليلاتهم لإيجاد الدفين، فالظاهرة لا يعنى بها الأوراس فقط.

هذا إضافة إلى الدخول في الشركيات والعياذ بالله، خاصة وأن البحث عن الكنوز يقترن بالمشعوذين والسحر، والماورائيات التي تجعل الفرد يعيش في الخيال متخليا تدريجيا عن حياته اليومية وتواصله الاجتماعي، أين تملك الخرافة حيزا كبيرا على غرار وجود أفعى كبيرة تحرس الكنز أو ظهور شياطين من نار أثناء الحفر، وكلها تخاريف حسبه وضعت من طرف القدماء لإبعاد الغير عن الكنوز.

هذا ويرى محمد أن الظاهرة مسكوت عنها لأمرين الأول أن النشاط ممنوع قانونا، وفي هذا الإطار يسرد نكتة يرددها الباحثون عن الكنوز، “أن إيجاد جثة أثناء البحث فهي لك وتتحمل تبعات ايجادها، أما إيجاد كنز فهو ملك للدولة”. ويضيف أن الأمر الثاني هو الحياء المجتمعي، ومع ذلك فالجميع يبحث عن الكنوز.

المختص في علم الآثار زين الدين باشي:” المواقع الأثرية تعاني من الإشاعة”

يرى المختص في الآثار والدكتور بجامعة باتنة زين الدين باشي، أن المواقع الأثرية أحد أكثر القطاعات التي تعاني من الظاهرة، إذ يمكن تقسيم الظاهرة إلى قسمين، أما الأولى فيرتبط بالحالات المنظمة والتي تنطوي على عصابات وشبكات منظمة وطنيا ودوليا، إذ يبرز محور خنشلة تبسة تونس كأحد أهم المحاور التي يتم تهريب الآثار و الكنوز عبرها، فالكنز في هذه الحالة لا يرتبط بالذهب فقط، بل يتعدى إلى القطع الأثرية الفنية والمنحوتات والقطع النقدية القديمة، التي تملك قيمة فنية وبالتالي نقدية في الأسواق الخارجية.
أما القسم الثاني فيرتبط بالحالات العشوائية، والتي كثيرا ما تكون فردية تنتهي بتخريب المواقع الأثرية بحثا عن الكنز.

ليضيف الدكتور باشي، أن المواقع الأثرية تعاني من الإشاعة التي كانت السبب في تخريب العديد من المواقع، ويذكر على سبيل المثال تخريب العديد من القبور القديمة بمنطقة ” إشوقان” بفم الطوب، لوجود إشاعة بتواجد كنز هناك، وهو ما حدث أيضا للموقع الأثري في تينزواغ بمنطقة سريانة حيث تقول الإشاعة أن بئرا للملكة الأمازيغية ديهيا مطمور هناك، بل أن أحد الخواص افتتح مشروعه الخاص المتمثل في محجرة بمنطقة زانة ولاد سبع، لوجود إشاعة عن وجود عربة رومانية محملة بالذهب تعود للحقبة الرومانية في التلة محل المشروع.

وأوضح ذات المتحدث أنه بإمكاننا القول أغلب المواقع الأثرية قد تم حفرها وتخريبها بحثا عن الكنوز، بل الأدهى والأمر أن العديد من المواقع الأثرية قد تم حفرها باستعمال آلات الحفر الكبيرة خاصة في تازولت نتيجة غياب الرقابة، ليضيف في ذات السياق أن الديوان الوطني لتسيير واستغلال الممتلكات الثقافية المحمية لديه الحق في الإبلاغ عن المواقع غير المحمية للمديرية العامة ومديرية الثقافة وكذا الجهات الأمنية للتدخل لحمايتها من الباحثين عن الكنوز، وبالتالي فحماية المواقع الأثرية من هؤلاء قضية يتحمل مسؤوليتها الجميع دون استثناء.

السوسيولوجي عبد الرزاق أمقران:

” البحث عن الكنوز تجسيد لمفهوم القفازة عن الجزائري”

يرى الباحث في علم الاجتماع والدكتور بجامعة سطيف 2، عبد الرزاق أمقران، أن ظاهرة التنقيب عن الكنوز ظاهرة تستدعي الاهتمام الجاد، بحثا عن تفسيرات سوسيولوجية كفيلة بفهمها وفهم العوامل المساعدة على تعاظمها في الجزائر من لدن جزائريين نجهل ملمحهم بالمعنى السوسيولوجي وإن كان معروفا من منطلقات جنائية.

الباحث اعتبر أن الموضوع يمكن مقاربته من خلال مفهوم الإنسان الريعي، وهو امتدادا منطقي أفرزته عقود من البيداغوجية السياسية التي ربت الجزائري على الحصول على حاجياته دون جهد كبير. معتبرا إياها مكتسبا لا يمكن التنازل عنه.وعليه، الكنوز في باطن الأرض بهذا المنطق تتحول إلى غنيمة جماعية ينال منها كل جزائري حقه بنفس المنطق الذي يسمح له بالحصول على سكن اجتماعي أو قطعة أرض أو قرض بنكي.

مضيفا أن الانفلات الأمني الذي عايشته الجزائر سمح بإفراز ظواهر إجرامية واسعة الانتشار داخليا وخارجيا بعضها عابر للحدود والقارات، وبالتالي فيمكن إدراجها ضمن الجرائم المنظمة التي يتحالف فيها الجزائري مع الأجنبي في صفقات كبيرة مربحة.الاغتناء من هذه البوابة يجد سهولة عظيمة نظرا لاستفحال الفساد في جميع مفاصل الدولة.

وأوضح، أن الإعلام كان له دور في تنامي الظاهرة إذ ألف الجزائري منذ فترة استهلاك صور شعوب تمارس التنقيب عن الكنوز بحرية تضمنها لها حكوماتها ولا يتوقف كثيرا عند المآسي الانسانية التي تخلفها في بعض الأحيان عمليات التنقيب، بل يغرق في إغراء الغنى السريع الذي تنشره الكثير من البرامج التلفزية الخارجية. جزائري يجمع بين شغفه الكبير بالمغامرة وطموحه الجامح لتحسين أوضاعه المعيشية. يستغرب ان تحرمه التشريعات من ثروة يجعلها مرادفة في الرمزية للبترول، كلاهما هبة ربانية لا دخل للحكومات والسلط في تسييرها وتقنينها.

ويذهب الباحث أبعد من ذلك في طرحه بالقول أن الجزائري المغامر الذي ينجح في استغفال العين المراقبة للأمن ويمارس نشاط التنقيب ويظفر بثروة تكبر أو تصغر، يعد ذلك “قفازة” بالمعاني الجزائرية الشائعة وهذا برأيه يعد انتصارا للعبقرية الشعبية على الجهاز البيروقراطي المتسلط على رقاب الضعاف والمتخندق مع الأقوياء. وبالتالي، التنقيب على الكنوز والعثور عليها قد يتحول إلى تمثل يجسد التوزيع العادل للثروات حتى وان كان هذا ضربا من الخيال.

 

إنشاء 47 فرقة متخصصة في مكافحة المساس بالتراث الوطني الثقافي

أدى انتشار ظاهرة البحث عن الدفائن بالمصالح الأمنية، إلى استحداث وحدات متخصصة لمحاربة هذا النوع من الجرائم، التي أصبح له بعد دولي تتخذ من تكنولوجيات الإعلام والاتصال أرضيات للتواصل وتسهيل أنشطتها التجارية، ما دفع بالمديرية العامة للأمن الوطني إلى إنشاء فرقة مركزية متخصصة في مكافحة المساس بالتراث الثقافي الوطني تابعة للشرطة القضائية، ليتم تدعيم هذه الفرقة المركزية بـ 47 فرقة متخصصة ما بين سنتي 2008 و 2012 تنشط على مستوى كافة ولايات الوطن، تتمثل أنشطتها في التحقيقات الميدانية لمختلف أشكال المساس بالتراث الثقافي وتخريبه، ومراقبة محلات بيع التحف الفنية والقطع القديمة ومراقبة مواقع الأنترنيت المتخصصة في بيع الآثار.

وأوضح عميد الشرطة مولاي عاشور، في حديثه مع مجلة الشرطة، أن التحقيقات التي باشرتها مصالح الأمن للفترة بين سنتي 1995 و2015 أبانت عن أن عمليات السرقة والتجارة غير الشرعية جد متطورة على مستوى المنطقتين الحدوديتين الشمالية الشرقية والجنوبية الشرقية التي تزخر بالمواقع الأثرية بالإضافة للعاصمة عبر مطارها الدولي ومينائها الذي شهد عدة عمليات تهريب للكنوز والقطع الأثرية.

وتعمل مصالح الأمن على متابعة ظاهرة التنقيب عن الكنوز، بتطبيقها للقوانين ذات الصلة بحماية التراث الثقافي لا سيما القانون الخاص 04/98 المؤرخ في 15/06/1998 المتعلق بحماية التراث الثقافي بالتنسيق مع وزارة الثقافة، أما دوليا فتقوم بإنجاز استمارات دولية للبحث بالتنسيق مع المنظمة الدولية للشرطة الجنائية ” الإنتربول” لاستعادة هذه الكنوز التي تعتبر إرث حضاري وذاكرة الأمة والإنسانية جمعاء.

الدكتور في الفقه شهر الدين قالة:

” الشرع والقانون متناغمين في مقابرتهما للظاهرة”

أوضح الدكتور في الفقه الإسلامي بكلية العلوم الإسلامية بجامعة باتنة 1، أن حكم الشرع في ظاهرة استخراج الكنوز يدرس من جانبين، أما الأول فمرتبط بالآلية التي يتم وفقها استخراج الدفائن، في شقها غير الشرعي والتي تعتمد طرق غير جائزة، ويضيف المتحدث أنها الطريقة الغالبة في الجزائر والتي تعتمد على السحر والمشعوذين والتي فصل فيها الشرع بعدم جوازها كونها ترتبط بمحذور عقائدي لتعاملها مع واقع غير مرئي روحاني ، فالأحاديث النبوية واضحة في المسألة، على غرار قوله صل الله عليه وسلم “من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ” هذا إلى جانب إمكانية إصابة هؤلاء الباحثين عن الكنوز في سيرورة بحثهم عنها، بغض النظر عن مسألة الخوض في امكانية وجود جن يحرس هذه الدفائن من عدمه، مردفا أن الجانب الثاني مرتبط بمسألة استخراجها بطرق شرعية والتي عرفت رأيين، الأول أجاز الأمر إذا كان الكنز متواجد بأرض المستخرج، أما الرأي الثاني والذي يذهب إليه المتحدث وفق مذهب مالك، وهي عدم جواز أخذ الدفين حتى وإن وجد بأرضك دون إذن السلطات، وهذا ما يذهب إليه جزء كبير من أصحاب الفقه الإسلامي، ما بالك أن يكون الدفين بغير أرضك وهو الحاصل غالبا، إذ تعود ملكيته للمجتمع والخزينة العمومية .

 

وفي الاخير وجب القول ان الظاهرة في ازدياد مقلق في ظل تقديم معلومات عن الأماكن الاثرية لأجانب يقدمون أنفسهم كخبراء، فضلا عن تنامي تحطيم وتخريب الكنوز التاريخية والآثار الجزائرية، وفي ظل تنامي الظاهرة والتراخي في التصدي لها فإنه لن يمر وقت كثير لنجد أنفسنا بلا معالم تاريخية أو أثرية .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق