كتاب مسلسل

البعد الوطني لثورة الأوراس 1916 ـ الحلقة 1

سلسلة دراسات أكاديمية

مخبر الأمن الإنساني: الواقع، الرهانات والآفاق

جامعة باتنة 1 – الجزائر

تحرير: أ.د. حسين قادري

المشاركون: أ. بلقاسم وزاني ـ أ.د. حسين قادري ـ أ.د. يوسف بن يزة ـ أ.د. السعيد رحماني ـ أ. فاتح زياني ـ أ. سمية حذفاني ـ أ. لخميسي سليماني ـ د. نور الدين بن قويدر ـ د. سليم درنوني ـ د. جمال بلفردي

تقديم

مثلت منطقة الأوراس عبر التاريخ رمزا من رموز الصمود ضد الإعتداءات الخارجية المختلفة، وقدم سكان هذه المنطقة التضحيات الجسام، وكان آخرها ضد الإستعمار الفرنسي منذ وصوله للمنطقة إلى غاية إعلان الإستقلال 05 جويلية 1962، ولصعوبة التطرق إلى كل الحقب التاريخية الحافلة خلال مسيرة هذه المنطقة في وقفة واحدة، استوقفتنا الذكرى المئوية لثورة الأوراس 1916، والتي لم تكن عفوية في شكلها، أو توقيتها كما في مجرياتها ونتائجها.

بقدر ما كانت الثورة ردّ فعل نتيجة الإفرازات السلبية للسياسة الفرنسية في الجزائر، بقدر ما ساهمت ارهاصات المقاومات الشعبية التي كانت كالنار في الهشيم موزعة على ربوع القطر الجزائري، والسبب في ذلك السياسة التعسفية الفرنسية ضد كل ما يرمز للجزائر من مقدسات، وهوية، وأمة، وعلى غرار باقي مناطق الجزائر عرفت منطقة الأوراس مقاومة شديدة لقوانيين الإدارة الإستعمارية، والممارسات التعسفية التي حملتها القوانيين الفرنسية، من قانون الأنديجينا “الأهالي”، وقانون الغابات، ومصادرة الأراضي وتمليكها للمعمرين، ولم يكن قانون التجنيد الإجباري بأفضل حال ممن سبقته من القوانيين، بل وزاد الطينة بلة، وفتح شرخا في العلاقة التي تربط الجزائريين بالإدارة الفرنسية التي سعت لتعويض ذلك النقص في البنية البشرية للجيش الفرنسي، وقد أقضى هذا القانون بإجبارية التجنيد الإجباري للشباب الجزائري للدفاع عن شرف والراية الفرنسية المنتهكة من قبل القوات الألمانية إبان الحرب العالمية الأولى.

في سياق هذا الرفض، تولدت مقاومة شعبية ضد مظالم الإستعمار الفرنسي، حيث عبر سكان الأوراس عن ذلك في احتجاجات متكررة، ومستمرة منذ 1848، ومرورا بسنوات 1871، انتهت بهجومات على رموز السيادة الإستعمارية في مناطق مختلفة من الأوراس الغربي عين التوتة، وبريكة وضواحيها، وبومقر، ونقاوس، ومروانة، وبلزمة، ووادي الماء، وفي الأوراس الشرقي خلال شهر نوفمبر 1916، كتعبير صريح على عزم سكان المنطقة لإستخدام كل وسائل المقاومة لحفظ كرامتهم والدفاع عن ممتلكاتهم، وهذا في عز الحرب الكونية الأولى، في الوقت الذي كان فيها الفرنسيون في أوربا يتلقون الخيبات والمأسي من طرف القوات الألمانية.

إن تضافر دواعي، وظروف الساحتين الداخلية والخارجية على سلطات الاحتلال الفرنسية، اجتهدت قواتها المرابطة بالجزائر إلى الإنتقام من السكان العزل شر إنتقام، وإنتهت هذه الثورة في آواخر 1917 بعد تصفية قيادتها بإعدام البعض ونفي البعض الآخر، ناهيك عن الغرامات التي أثقلت كاهل ساكنة الأوراس.

بالرغم من عدم التكافؤ في الإمكانيات والوسائل بين الطرفين، وهذا من خصائص المقاومات الشعبية التي عرفتها الجزائر ضد المستعمر الفرنسي، إلاّ أن ثورة الأوراس 1916 عبرت مرّة أخرى عن قوة إرادة الشعب الجزائري بصفة عامة، والأوراسي بالذات، وإصراره الدائم عن رفض السيطرة والتسلط إلى أن عاود المحاولة أبناء وأحفاد هذا الجيل بعد ثلاثة وأربعين سنة، وفي ذات الشهر لبعثها وإعلانها مدوية في الفاتح من نوفمبر 1954، وشعارها: “يا فرنسا قد مضى وقت العتاب”.

إحياءا لهذه الذكرى، بادر مخبر الأمن الإنساني بجامعة باتنة 1 إلى تنظيم ملتقى وطني علمي حول ثورة الأوراس 1916 بالتعاون مع جمعية ثورة 1916 برئاسة الدكتور أحمد بيطام، من أجل إلقاء الضوء على مجرياتها وحيثاتها من خلال ثلاثة محاور. الأول تطرق إلى الظروف السياسية والإقتصادية والإجتماعية في منطقة الأوراس، ومهدت بشكل أو بآخر في اندلاع الثورة، والثاني بمجريات أحداثها منذ ليلة 11 نوفمبر 1916 ومسارها، وكيف إنتشرت عرضيا في جبال الأوراس من الغرب إلى الشرق، وكيف تم إخمادها ظلما وبطشا وعدوانا وقهرا من طرف القوات الفرنسية؟ دون سماع صوت ومطالب الثوار، ويوحي هذا الأمر أن الشعب مستعد للشهادة، أو النصر على الغاشم الفرنسي، ويضرب له موعدا آخر في أحد ليالي ذات الشهر 1954.

 بينما وقف المحور الثالث والأخير على إفرازات وإنكاسات التي خلفتها الثورة داخليا وخارجيا القريبة منها والبعيدة المدى، وشكلت في مجموعها لبنة وإضافة مهمة في زيادة إنماء الوعي الشعب الجزائري الذي تحرك بفاعلية أكثر في المواعد اللاحقة ضد الإستعمار الفرنسي.

تم تغطية هذه المحاور بمجموعة من المداخلات التي تباينت في نسقها التحليلي، عما هو متعارف من الكتابات التي دونت لهذا الحدث المحلي في إنطلاقته، والوطني في أبعاده وأهدافه، فمن المداخلات من تطرقت إلى الجانب النظري المفسر للسلوك السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي والديني للثورة، وعبرت أخرى في متونها على كرنولوجيا أحداث الثورة على إمتداد حيزها الجغرافي” أسباب، ومسار ونتائج الثورة داخليا وخارجيا”، بينما ذهب آخرون إلى إبراز المخاطر التي تضمنها قانون التجنيد الإجباري كمصدر لغالبية النتائج السلبية التي حملته مواده، بالرغم أنه سببا بنيويا مفسرا لتشكيل الوعي السياسي لدى الأوراسيين، في الوقت الذي دندنت فيه دراسات أخرى حول الثورة من خلال ووثائق وتقارير الإدارة الفرنسية على غرار التقرير الذي أعده المفتش العام للبلديات المختلطة في سبتمبر 1916″ أوكتاف ديبون”، والذي يعد من المصادر الأساسية الذي إرتكزت عليه غالبية الكتابات التي أرخت لثورة الأوراس 1916، حتى وإن كان صاحبه أعمته عصبيته وحقده الدفين والشديد لكل ما هو جزائري.

وإذا نشكر كل الذين ساهموا في إحياء هذه المناسبة بأي شكل كان، فإن هذه المبادرة ماهي الا استكمالا للبناء التاريخي في شق الكتابة التاريخية حول المنطقة، نشكر من خلالها الأستاذ الباحث عبد الحق بن زايد، لما زودنا به من وثائق من أرشيف ما وراء البحار، أكس أن بروفانس، ونتمنى أن يتدعم هذا العمل بمحاولات علمية أخرى تكون في مستوى سياق الحدث، سواء تلك الخاصة بهذه المبادرة، أو بغيرها من المحاولات والجهود التي من شأنها زرع أمل يقوم على معادلة: “عدم نسيان الماضي، والعيش بكرامة في الحاضر، والعمل من أجل مستقبل أفضل”.

أ.د. حسين قادري ـ مدير مخبر الأمن الإنساني ـ جامعة باتنة 1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى تعطيل مانع الإعلانات.