مجتمع

البيوت الأوراسية… عندما تضيع الموروثات في تفاصيل العصرنة

كانت للبيوت الأوراسية سواء في المدينة أو القرية حكايات تُنسج في ركن من أركانها.. حيث تتربع السدّاية” أو “المنسج” أو “المنوال” التقليدي لتحيك به أنامل النساء أفرشتهن وحتى الملابس..فلا يمكن أن يأتي الشتاء دون أن نجد “الحنبل ” أو “الحولي” وهو نوع من الأغطية التقليدية.. والزربية التي تتمازج فيها الألوان الزاهية بعد أن كانت صوفا يتم تحضيره وترقيقه وتحويله إلى خيوط يدويا.. وحتى الصباغة فيه عادة ما تكون طبيعية تستعمل فيها “الدباغة وقشور الرمان والسواك والحناء”.. فيتضافر “القرداش” و”الخلالة” و”الصوات” لدق خيوط الصوف و”المقص” لتحسينها لتقدم لنا الأنامل الأوراسية إبداعاتها في مفروش يستعمل وتزين به البيوت أو لباس يقي سكان المنطقة من بردها الذي يُقطّع الأوصال..

ويبدو أنه لزمن ليس بالبعيد كانت ما تزال الأسر الأوراسية تحافظ على ملامح “البيت الشاوي” خاصة في القرى..لكن مع غياب توارث “الصنعة” والحفاظ عليها من خلال تعليمها للأجيال المتعاقبة بات من السهل اقتناء أفرشة وأغطية و بطانيات كانت السبب في تغيير ملامح بيوتنا التي كانت تميزنا عن بقية البيوت الجزائرية..وضاع هذا الإرث الحضاري ليتحول إلى “فلكلور” مناسباتي يزين زوايا الصالونات الوطنية والمتاحف وقد يتزاحم من أجل اقتنائه السياح الأجانب دون أبناء الوطن الذين تستهويهم البيوت ذات الطابع الحداثي العصري حيث تختفي تماما “اللمسة الشاوية” لتستبدل بأفرشة لا علاقة لها بروح الماضي ولا يمكن للحاضر أن “يجذّرها” لكونها وليدة المصانع التي تتسابق لتلبية أذواق المستهلكين الذين يغيرون أفرشتهم في كل مناسبة ودونها..فلم يعد ذاك الارتباط الذي يميز الأفرشة التقليدية والألبسة قديما لكونه صناعة منزلية موجودا في أفرشة اليوم.

“القشابية” الجميلة و”البرنوس” الأنيق و”الزربية” بتعدد رسوماتها ودلالاتها المرتبطة بأساطير الأجداد وحكاياتهم و”الحنبل” الذي يشهد على ليالي الخريف والشتاء وكل الأيام الباردة نفتقدهم اليوم في بيوتنا “الباهتة” المتنصلة من أصالتها رغم محاولاتنا اليائسة باقتناء كل ما هو جديد وغالي..إلا أن المثل القائل “الجديد حبو والقديم ما تفرطش فيه” يعلمنا كيفية “مسك العصا من الوسط” حيث يمكننا أن نكون أبناء هذا الزمن دون التخلي عن موروثاتنا التي يبدو أنها تلاشت أمام سحر العصرنة.

سماح خميلي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق