ثقافة

“التبرج” غرفة تخص ثلاث أشخاص يواجهون مرض السرطان

للروائي عبد اللطيف ولد عبد الله

أصدر الروائي عبد اللطيف ولد عبد الله روايته الجديدة الموسومة بعنوان “التبرج” بعد رواية ” خارج السيطرة ”، عن دار منشورات الاختلاف، وهي رواية اجتماعية تلخص معاناة أفراد مهمشين داخل المستشفيات العمومية و تحكي عن واقع أشخاص خالفهم الحظ في الحياة وتخلى عنهم المجتمع في مشهد حزين ودرامي،  رواية التبرج أتت في قالب جديد من حيث الشكل وحاول فيها الروائي عبد اللطيف معالجة إحدى أصعب الحالات التي يواجهها الإنسان ألا وهو الموت، حيث نرى فكرتي الموت والحياة تتواتران بشكل مستمر داخل فصول الرواية بين الأمل واليأس الذي يكتنف شخصيات الرواية.

وقد تعددت وجهات النظر وفقا لكل حالة شخصية في الرواية فتنحو أحيانا إلى التفلسف وأحيانا إلى النظرة البسيطة للحياة. وتقع أحداث الرواية داخل غرفة بالمستشفى أين تلتقي ثلاث شخصيات محورية لتتفاعل فيما بينها وتخلق لنا عالما لا نتوقع مآله في النهاية.

هذه الشخصيات الثلاث بكل اختلافاتها وتناقضاتها يوحدها المرض وفكرة الموت، فيجمعهم الألم والأمل والحب في دوامة واحدة، تكافح كل منها مرض سرطان في عالم مليء بالقسوة والألم من أجل البقاء. ولكن ماسينيسا وهو إحدى هذه الشخصيات الثلاث لن يحالفه الحظ في الحياة. إذ تقع أحداث مأساوية داخل المستشفى تكون امتدادا لواقعه القاسي في الماضي والحاضر فحياة هذه الشخصية مأساة بحد ذاتها.

لكل شخصية عالمها الخاص، ولكنها ستلتقي في نقطة ما من الرواية حيث تنجلي الحقائق الواحدة تلو الأخرى وتتبرج الحياة بكامل قسوتها ومآسيها، وعن أسلوب الرواية فهي مزيج بين الراوي العليم وتداعي الأفكار ( تيار الوعي) ويعد هذا الأسلوب من بين أصعب الأساليب الأدبية في العالم لأنها تحفر داخل لاوعي الشخصيات وتستنطقها من الداخل، وقد اشتهر بهذا الأسلوب كل من فرجينيا وولف، جيمس جويس وفولكنر في رواياتهم الخالدة، يعد استعمال هذه التقنية الصعبة مغامرة سردية وتحديا للكاتب و القارئ معا، فالأحداث تتداخل وتحتاج لقارئ صبور أحيانا، فتداعي الأفكار والتكرار أشبه قليلا بالمونولوج داخل النص وهي تأخذ نصيبا لا بأس به وقد تكون بعض النصوص لا منطقية للبعض ولكنها مترابطة لها دلالاتها الخاصة في سياق المضمون العام.

يسمح تيار الوعي للشخصيات داخل الرواية بالتعبير بصدق عما يجول بدواخلها من خواطر وهموم وحتى بعض الأشياء التي من المستحيل قولها لأحد. وقد قال ميلان كونديرا عن أسلوب تيار الوعي لدى جيمس جويس هو استعمال الميكروسكوب لتفكيك الشخصيات إلى خلايا صغيرة بحيث يصعب معها أن نأخذ نظرة مجملة عن الشخصيات، ولكنها في النهاية تعطينا شعورا داخليا بأن الإنسان معقد ولا يمكن أن نقدم صورة دقيقة عنه، ويبقى دائما اللغز مخبئا في مكان ما داخل لا شعورنا، فتيار الوعي مهمته اظهار اللاشعور وربطه مع الواقع و الخيال.

وقال الروائي عبد اللطيف في حديثة للأوراس نيوز : “في الرواية هناك دائما فكرة الموت تسيطر على المشهد العام وتعطي للقصة معنى معينا للحياة التي نعيشها كبشر، المغزى كله يصب في هذه النقطة، نحن نحيا لأن الطبيعة تريد منا ذلك أو لأن جيناتنا تريد الخلود عبر الزمن عبر التناسل كجميع المخلوقات، ولكني كروائي أردت أن أعطي للحياة بعدا أقل قسوة مما هي عليه في الحقيقة. لأن بعض الحقائق لا يمكن التعايش معها بسهولة لذلك اخترع الانسان الحب والصداقة والإخلاص وأخيرا التضحية بالذات من أجل الآخر”.

وعن فكرة هذا العمل يضيق ذات المتحدث قائلا: “هذا العمل جاء بعد تجربة نفسية صعبة مررت بها وأنا في العاشرة من عمري، حيث قضيت أسبوعين لإجراء عملية جراحية على مستوى اليد لأنني تعرضت لكسر مضاعف في الذراع، ولازلت أذكر تلك الصدمة التي تعرضت لها في الطفولة الأولى عندما تشتت أسرتي وعشت سنة كاملة عند أحد الجيران، كان ذلك إثر حادث سيارة تعرض له الوالد ونقل إلى المستشفى بعد ذلك فتشتت الأسرة لمدة سنة كاملة، أذكر مشاهد متقطعة من تلك المرحلة عندما زرت والدي ورأيته ممددا على السرير ووالدتي تقف بجانبه شاحبة الوجه ، كان مشهدا لم أنساه أبدا، لم أبك أبدا ولم أقل شيئا، لم أكلم أحدا في الأمر ولم أستطع نسيان ما حدث وكان لابد من كتابة رواية تحمل هذا الهم الذي لازمني طوال حياتي كتبت رواية “التبرج” لأنني أردت فهم نفسي من خلالها ومعرفة طريقة تفكيري وتصرفي لو كنت أنا مكان والدي، أردت معرفة إحساس المقبلين على الموت، أردت أن أعيش الحياة بطريقة مختلفة وأجرب الموت بطرق عديدة، ولكنني الآن خرجت سالما بعد إنهائها، أما الظروف التي رافقت كتابة الرواية فكانت جد قاسية، تعرضت لنوبات اكتئاب حادة حتى بعد انتهائي من كتابتها، الرواية اتسمت بطابع سوداوي برؤى مختلفة إلى الحياة من خلال ثلاث شخصيات محورية، كلها تنتظر مصيرها في غرفة واحدة”.

الكتاب سيشارك في معرض  سيلا 2018.

رقية. ل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق