مجتمع

التحرش الجنسي.. ظاهرة مرضية أم جريمة أخلاقية

الهجوم الشرس لظاهرة التحرش الجنسي على مجتمعنا خاصة في الآونة الأخيرة وما نجم عنها من مصائب وكوارث ستبقى آثارها راسخة في الذاكرة الجماعية، يدفع بنا إلى التوقف عندها لكونها من أكثر الظواهر إثارة لحفيظة المجتمع وسخطه..ولعل انعدام التوعية واعتبار التحدث في الموضوع أشبه بكسر ممنهج لطابوهات تم غلقها “بالشمع الأحمر” هو ما يفاقم من وجود الظاهرة و تجذرها وسط زوايانا الضيقة.اتفق علماء النفس على أن الخلل الإدراكي لدى المتحرشين جنسيا الذي يوحي بقبول “المتحرش به” هو من يدفعهم إلى ممارسة هذا الفعل “الشاذ” دون تحرج أحيانا، والتحرش الجنسي عادة ما يخلف وراءه جريمة تهتز لها أركان المجتمع يريد بها “المتحرش” أن يخفي فضيحة أخلاقية..خاصة وأن التحرش تجاوز حالات استثنائية من كلمات “خادشة للحياء العام” والتي تحمل مدلولا جنسيا في شوارعنا يطلقها بعض الشباب المعروف بانحرافه أو تعاطيه لمسكرات أو ممنوعات إلى ممارسات يكون فيها الأطفال والنساء ضحايا مستهدفين من الدرجة الأولى..علما أن النساء العاملات على وجه الخصوص من يعانين من الظاهرة وسط تكتم مؤسف أو دفاع مستميت في أروقة المحاكم التي تخضع لقانون يردع المتحرش نظريا وبأحكام مخففة يستهجنها المجتمع لكون “المتحرش” عادة ما يفلت من العقاب لعدم تقديم الأدلة الملموسة التي يقتضيها إدانة المتهم.ولسنا هنا بصدد التعرض للحالات التي صادف وأن عانت من التحرش بجميع أشكاله، أو كان أصحابها عرضة لتحرش أفضى إلى جريمة أكبر..وإنما تسليط الضوء على الظاهرة من جانب كونها مرضية من وجهة نظر البعض.. و أيضا تحديدها كجريمة أخلاقية لا تقبل أي أعذار قد يستند إليها أصحاب الرأي الأول.التحرش مرض نفسي من الدرجة الأولى يعتبر التحرش في الطب النفسي مرضا يحدث اضطرابا في الشخص يضرب في عمق شخصيته وسلوكه ما يدفع به إلى انتقاء ضحاياه من فئة الأطفال خصوصا لكونهم ضعفاء يسهل النيل منهم ويتكتمون على هذا الاعتداء خوفا من المعتدي..أما إذا كان المريض ـ حسب توصيف الطب النفسي ـ يعاني من الجنس العدواني فإنه سيقتل الضحية في النهاية لسببين أولهما لإخفاء الجريمة وثانيهما للاستمتاع أكثر حيث تستثار المتعة عند هؤلاء بالعنف الذي يفضي عن قصد أو بغير قصد إلى الموت..وكما ذكرنا فللنساء حظ سيء أمام هؤلاء المرضى خاصة إذا كانت سلطة “المريض” أكبر من “الضحية” فيجبرها تحت ضغط التهديد والإكراه على الخضوع لنزواته الجنسية، وفي نظر الطب النفسي فإن “المتحرش” كانت ضحية هو الآخر في فترة عمرية معينة ما خلق فيه انحرافا وتشوها في ميولاته وحقدا دفينا يدفعه لفعل ما فُعل به انتقاما من المجتمع وإشباعا لرغباته المنكسرة على عتبة ماضيه الذي جعل منه مريضا نفسيا..وحسب التشخيص الطبي للمتحرش فهو شخص يعاني انحرافا واضطرابا سلوكيا يعمل على نقله إلى المجتمع وهذا ما يعزز الرأي القائل بكونه مرض يجب أن يخضع للعلاج قبل الوقوع في جرائم تكون نتائجها وخيمة على الفرد والمجتمع بصفة عامة.التحرش جريمة أخلاقية تضرب في عمق المجتمع يصف البعض التحرش بكونه “جريمة صامتة” أو غير مرئية..وفي الحقيقة ما يخرج هذه الجريمة إلى العلن هو تحولها من مجرد ممارسات سطحية إلى جريمة الاغتصاب والقتل..فقد يسكت المجتمع على كثير من التصرفات اللاأخلاقية التي تحدث في الشوارع والأماكن العامة بينما يثور لوقوع جريمة.. والحقيقة أن الجريمة في النهاية ما هي إلا نتيجة حتمية لما كنا نستهين به أو لا نوليه اهتماما.. والتشريع الجزائري يعتبر قاصرا من وجهة نظر رجال القانون لكونه يستند إلى الجانب المادي لهذه الجريمة التي يصعب إثباتها في مراحلها الأولى إلا إذا أدت في النهاية إلى أسوأ ما يُتوقع كما ذكرنا قبل أسطر.وقد جاءت المادة القانونية (341) مكرر لتعرف التحرش الجنسي على أنه: ” يعد مرتكبا لجريمة التحرش الجنسي ويعاقب بالحبس من شهرين إلى سنة وبغرامة مالية من 50.000 دج إلى 100.000 دج، كل شخص يستغل سلطته ووظيفته أو مهنته عن طريق إصدار الأوامر للغير أو بالتهديد أو الإكراه أو بممارسة ضغوط عليه قصد إجباره على الاستجابة لرغباته الجنسية”.علما أن هذه المادة القانونية هي المادة الوحيدة التي تشير للتحرش صراحة وهي بذلك تضيّق نطاق التحرش في حدود محيط العمل متناسية الكثير من ظروفه المحيطة.وبالتالي فالأمر يحتاج إلى مراجعة جادة تكون رادعة كفاية لتحتوي هذه الظاهرة التي تجاوزت مراحلها النفسية “السيكوباتية” الذاتية إلى جرائم “يشيب لها الولدان” وتزلزل سكون مجتمعنا المحافظ “ظاهريا”.. لتحدث هوسا في نفوس الآباء خوفا على أبنائهم زيادة عن الرعب الذي تعانيه المرأة عند أول خطوة تخطوها خارج بيتها حيث لا يهمنا حينها إن كان التحرش الجنسي ظاهرة مرضية أم جريمة أخلاقية؟.سماح خميلي

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق