روبورتاجات

التربة الحمراء بالرميلة… شاهد يدق ناقوس الذاكرة “التاريخية المنسية” ليطالب برد الاعتبار لدوار أولاد مهنية

بين إخلاص الأجداد وتخاذل الأحفاد

ليست قصة خرافية ولا مجرد حكايات تروى عن الثورة التحريرية، إنما هي شاهد حقيقي على حقبة تاريخية جليلة مازالت تدق ناقوس الذاكرة لتعرِّف الأجيال المتعاقبة بتاريخ مجد وبطولة شعب أبى إلا أن يبعد الأقدام السوداء عن أرضه الطاهرة فيصونها ويضحي بنفسه لأجلها، وكغيرها من الأراضي الجزائرية شهدت بلدية الرميلة عديد المعارك التاريخية الفذة التي ظلت محفورة بذهن من عايشها ليتناساها جيل تنكر لتاريخه وهو ويصارع المصالح من اجل بلوغ السلطة وافتكاك مراتب هامة في الدولة أنسته ارث أجداده وإخلاصهم الذي قوبل بالتنكر والتخاذل، لتكون التربة الحمراء بمنطقة دوار أولاد مهنية وبالتحديد المنطقة المسماة محليا بالمزارة التي انتهى تكريم أهلها بمقام للشهداء ظل قيد الإهمال إلى يومنا هذا… فتطفو دماء الشهداء مع كل قطرة مطر لتذكر الأجيال بإخلاص الأجداد وتخاذل الأحفاد.

روبورتاج نوارة بوبير

معاناة حقيقة هي تلك الوضعية التي يتخبط فيها سكان دوار أولاد مهنية ببلدية الرميلة دائرة قايس غرب عاصمة ولاية خنشلة، وهي المنطقة الفلاحية التي تضم عدة ألقاب من اعراش المنطقة على غرار “مدرق نارو” ” بوبير” ” بحري” و”بديار” وغيرهم ممن ظلوا محافظين على تواجدهم بالمنطقة التاريخية رغم الظروف المعيشية الصعبة، في ظل التماطل والإهمال الذي أبدته المجالس الشعبية المتعاقبة علما أن المنطقة تحوي مقبرة للشهداء ومقاما لشهداء معركة أولاد مهنية المعروفة والتي كبدت المستعمر الفرنسي خسائر كبيرة، وفي مقابل ذلك استشهد فيها عشرات الجزائريين من عسكريين ومدنيين من كافة التراب الوطني على غرار الشهيد المعروف لعطر لخميسي وبحري موسى ومعو الوردي ولعبيدي حمانة وبوزيدي عيسى وبقاقة وبوبير بولعراس وبوبير حملاوي ومحي الدين الوهراني، بتاريخ 17 مارس 1957، وهي الذكرى التي ظلت محفورة بذهن شيوخ القرية ممن فتح قلبه للأوراس نيوز، ليروي قصة معاناة حقيقية بين ماضٍ شاهدٍ على مجد شعب وحاضر تطأطئ له الرؤوس بسبب تخاذل السلطات.

بعض من أحداث المعركة على لسان أحفاد الشهداء…

حسب ما أفاد به بعض أحفاد شهداء معركة دوار أولاد مهنية على غرار أحفاد الشهيد بحري موسى فقد كان شهداء المعركة الذين اجتمعوا من عديد ولايات الوطن في المنطقة التي احتضنهم أبناءها بكل كرم واستضافوهم في بيوتهم على غرار السي بوحى قداش الذي أكرمهم بوليمة عشاء كبيرة وهو معروف بجوده وكرمه على المجاهدين لتصل أخبارهم إلى قوات العدو التي تنقلت إلى المنطقة بشاحنات كبيرة وهجمت عليهم حيث كانوا متواجدين بمنزل بحري موسى فوقعت معركة كبيرة بين الطرفين ضربا بالرصاص ليسقط إثرها عدة جنود فرنسيين واضطرت القوات الفرنسية للاستعانة بالطائرات، التي حزمت الأمر وتسببت في سقوط العشرات من الشهداء منهم من تم دفنه ببلدية قايس ومنهم وري الثرى ببلدية الرميلة، وحسب بعض مشايخ المنطقة فقد دامت المعركة ساعات طويلة تقارب 12 ساعة أرهق فيها العدو شر إرهاق .

إهمال للمنطقة…إهمال للذاكرة الوطنية..

خلال اتصال لهم بالاوراس نيوز أكد شبان ينحدرون من المنطقة المذكورة على أن ظروفهم المعيشية جد صعبة، وان الحياة بالمنطقة تكاد تكون مستحيلة في ظل غياب الكهرباء والغاز والطرق التي تربط “الدوار” أو المشتة بالطريق الرئيسية ما صعب على أهلها التنقل والقيام بنشاطهم الفلاحي رغم حبهم للأرض وتمسكهم بها، وهاهم اليوم يطالبون بفك العزلة عن المنطقة التي لا تحتوي إلا على طريق ترابية، ورد الاعتبار لها باعتبارها منطقة تاريخية ظلت قيد النسيان على مدار سنوات متتالية وتحت سلطة مجالس شعبية متعاقبة، حتى أن المعلم التاريخي والذي يمثل احد شواهد الذاكرة التاريخية قد طاله الإهمال وبدت عليه ملامح التقاعس وهو في حاجة إلى ترميم، وهو المطلب الذي رفعه شبان المنطقة الغيورين على تاريخهم وأرضهم وبلادهم ليؤكدوا أنهم مستعدون لترميم هذا المعلم إذا ما تم تمكينهم من رخصة لترميمه، كما اتهم بعضهم مصالح البلدية وكذا الجهات المكلفة بالتراث التاريخي بالإهمال واللامبالاة وبالتالي فإهمال هذه المنطقة في نظرهم يعد إهمالا للذاكرة التاريخية، وخاصة أن سكان المنطقة يتخبطون في ظروف معيشية اقل ما يقال عنها  أنها بدائية .

“الرفروف”… من العادات التي كانت “تمجد” المنطقة قبل سنوات الجمر…

وحسب رئيس الجمعية الثقافية “أوراس فيلم” السيد عمار قداش فقد كانت المنطقة تنظم وكل سنة تظاهرة يطلق عليها اسم “الرفروف” يتجمع خلالها سكان المنطقة نساء ورجال من مختلف الاعراش  حيث تقوم النساء بطهو وجبة جماعية بعد نصب خيمة كبيرة في العرقوب المعروف باسم لمزارة في حين يتبارى الرجال في لعبة “هاكورث” فيتم إطعام المسكين والفقير وعابر السبيل وترفع الأيدي دعوة للخالق برزقهم بمياه الأمطار وبالخير والبركة فتعم كل صفات التسامح والتعاون والتكاتف، لينسى كل المتواجدين ما في نفسهم من ضغينة أو حقد أو كراهية، ويفترقون على حب الوطن وخدمته، وقد كان المتحدث من معايشي هذه العادة التي اندثرت مع العشرية السوداء ابن ساد الخوف والرعب وسط السكان.

ما قصة التربة الحمراء؟؟…

هي قصة غريبة من نوعها ظلت طيلة  السنوات الفاصلة بين أحداث المعركة سنة 1957 إلى يومنا هذا شاهدة على تاريخ عريق، حيث أن المنطقة المسماة بالمزارة والتي يتواجد بها مقام شهداء المعركة الطاحنة وكلما تساقطت الأمطار خلال المواسم اخذ ترابها اللون الأحمر مخضبا بدماء الشهداء الأبرار، وهو ما أكده بعض سكان المنطقة للأوراس نيوز  وهي الواقعة التي لم تخف عن الصغير ولا الكبير من هذا الدوار العريق، حيث مازالت بقايا الرصاص وقطرات الدماء شاهدة على المعركة، وخاصة أن العلم يؤكد بان التربة لا تمتص الدماء لتظل كذلك على حالها وكأنها تذكر الأجيال بمدى فضاعة المستعمر الفرنسي وهو يقتل أصحاب الدار ويسفك دماءهم صغيرا وكبيرا، وبمدى قوة وصبر الشعب الجزائري وبالتحديد سكان منطقة الرميلة الذين قدموا للثورة أنفسا عزيزة وتفانوا في خدمة البلاد منذ حقبة الاستعمار الفرنسي والى يومنا هذا، فالتربة الحمراء التي اتخذت لونها من دماء الشهداء ستظل شاهدا حيا يدق ناقوس الذاكرة  التاريخية المنسية مع كل قطرة مطر ويسأل هل مذّكر؟؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق