إسلاميات

الترويح على النفس .. بين ضوابط الشرع وحدوده

قال رسول الله صل الله عليه وسلم : }مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً{متفق عليه

إن من أعظم الدلائل على عظمة دين الإسلام أن تشريعاته قامت على جلب المصالح ودرء المفاسد؛ المبنية على رفع الحرج، ومراعاة التيسير، ومجافاة العنت والتشديد؛ وهي بذلك تراعي الفطرة البشرية ومتطلباتها؛ فلم تكبتها أو تضيق عليها، وفي الوقت نفسه لم تطلق لها العنان، أو تترك لها الحبل على الغارب، وإنما حرصت على الموازنة بين الحقوق والواجبات، وما يباح وما يمنع، في مختلف جوانب الحياة البشرية.
وإن من أبرز ما تتصف به النفس البشرية أنها تصاب بالملل والفتور؛ فتحتاج إلى الترويح لتستعيد نشاطها، وتواصل سيرها بجد نحو البناء والتقدم.
ونظرا لهذه الطبيعية البشرية نجد أن الإسلام شرع مبدأ الترويح عن النفس؛ تخفيفا لما تتحمله من تكاليف فقال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: ” يقصد منه الاستجمام ودفع السآمة، وهو مباح في كافة الشرائع إذا لم يصر دأبا “.
ومن دلائل إباحة الترويح واللعب المباح ، ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة لعب الحبشة في المسجد يوم العيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ في دِينِنَا فُسْحَةٌ، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ) [رواه أحمد].
ومع هذه الفسحة في الترويح عن النفس، ينبغي للمسلم أن لا يجعلها غاية له وهدفا في هذه الحياة الدنيا، وأن لا يتخذها وسيلة ومطية لانتهاك حرمات الله، وتعدي حدود الشرع، وإنما عليه أن ينظر إليها كوسيلة لغاية عظمى وهدف أسمى ؛ هو بقاء الإنسان نشيطا ، ذا همة وعطاء، من أجل بناء المجتمعات، وعمارة الأرض، وإقامة الشرع ؛ وفقا للتوجيه الرباني الوارد في قوله سبحانه وتعالى : ” قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ” [الأنعام:162].
ومن هنا نعلم أن الترويح عن النفس لا بد أن ينضبط بضوابط الشرع وقواعده، ويُعرض على ميزانه؛ لضمان تحقيق أهدافه التي أبيح من أجلها، حتى لا يؤول إلى وسيلة لضياع الأوقات وهدر المقدرات، والتَّرَدِّي في مَهاوي الخمول والكسل والانحراف، وإلا كان وبالاً وهلاكاً ؛ عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي ، فَقَدْ أَفْلَحَ ، وَمَنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ) [رواه أحمد]؛ و(الشِّرَّة): النشاط والاندفاع والإقبال. و(الفَتْرة): من الفتور، وهو الضعف والوهن والكسل.
وعلى المسلم اختيار جماعة الترويح وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الضابط في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) [متفق عليه].
و ينبغي للمسلم أن ينظم وقته بين العمل واللهو، والجد واللعب، فلا يعتدي على الوقت الذي هو حق لله تعالى؛ كوقت الصلوات المفروضة، أو أن يغفل عن ذكر الله في أوقات هو أحوج ما يكون فيها إلى القرب من ربه؛ كإهدار ساعات الليل كلها في السَّمر واللَّهو، فلا هو في نوافل العبادات قضاها، ولا لأمر واجب أحياها؛ وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك؛ فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَيَبِيتَنَّ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أَشَرٍ وَبَطَرٍ وَلَعِبٍ وَلَهوٍ؛ فَيُصْبِحُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، بِاسْتِحْلَالِهِمُ المَحَارِمَ وَاتِّخَاذِهِمُ القَيْنَاتِ، وَشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، وَبَأَكْلِهِمُ الرِّبَا، وَلُبْسِهِمُ الحَرِيرَ) [رواه عبدالله في زوائده على المسند].
ومما ينبغي أن يجتنبه المسلم التعدي على الأوقات التي تتعلق بأداء حقوق العباد؛ كالعمل الرسمي؛ فلا ينبغي أن يقضيه المسلم في الترفيه والترويح، تاركاً وراءه مسؤوليات أنيطت به من قبل المسؤولين، أو معاملات للمراجعين؛ فوقت العمل مرتبط بما التزم به الإنسان من عقود ومواثيق يجب الوفاء بها واحترامها؛ قال عز وجل : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ” [المائدة:1].

د.أيمن محمد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق