العمود

التفكر بصوت عال: التكنولوجيات الرحيمة

فيصل الأحمر

من الغريب أن تجد كل العالم متفقا حول وجود أزمة وجول طبيعتها؛ أزمة تهدد أمن الكوكب؛ أزمة حضارية لأنها تلقي بظلالها على مختلف مناحي الحياة متجاوزة الإشارات المقلقة للأزمة العالمية المالية أو السياسية (أزمة الديمقراطيات في العالم بأسره) إلى مرحلة خروج الناس إلى الشارع دون أن تجد تفكيرا عميقا في الحلول.

لقد شهد العالم يأسره انخفاضا في النمو،  وتوترات كثيرة على مستوى الطاقة والمواد الخام، إضافة إلى انهيار التنوع البيولوجي وتراجع أو ربما تدمير التربة، والتغيرات الحاصلة على مستوى المناخ والتلوث على أوسع نطاق، وفي ظل ذا الوضع يأتي من يبشر بالتكنولوجيات “الخضراء” المعول عليها لإنقاذ الكوكب والنمو من خلال ما ينبغي أن نسميه “الثورة الصناعية الرابعة”، أن الطاقة المتجددة، والشبكة الذكية، والاقتصاد الدائري أو التناوبي…كل ذلك يأتي كحلول لحاضر الخراب المحدق بالكوكب وبالحياة.

يميل الكاتب الهام فيليب بيويكس P.Bihouix في كتابه الضروري “عصر التكنولوجيات المنخفضة” إلى إثارة اهتمامنا إلى مجموعة من المشاكل التي تحدق بنا: مشاكل تتعلق بغرقنا الكبير في عالم تهيمن عليه النانو-تكنولوجيات والتكنولوجيا الحيوية والطابعات ثلاثيات الأبعاد 3D مع مشاكل من قبيل تزايد استهلاك الموارد النادرة، والأكثر صعوبة في إعادة التدوير … وهذه التكنولوجيات الجديدة التي لا يكف التبشير بها تؤدي بنا إلى حالة من الجمود والعجز عن مواجهة الأزمة.

لا يتعلق الأمر – كما يقول المؤلف – بالعودة إلى الشمعة، بل بالبحث عن التوازن الضروري بين طموحاتنا الحضارية وضمان سلامة الحياة في المستقبل، فمن الأفضل البحث عن طرق محتملة تقودنا صوب نظام اقتصادي وصناعي مستدام على كوكب محدود القدرات شئنا أو أبينا.

إنه فيما وراء  نهاية النفط الذي تركز عليه دائما وسائل الإعلام، يوجد أيضا خطر نفاد الموارد المعدنية، وهي الأخت الصغرى للبترول في تسيير الحضارة كما وصلنا إليها، في سياق من تزايد الطلب على هذه المواد لا يسمح حتى بالتفكير في الكف عن كل ذلك، كما أن عمليات الاستخراج هذه تتطلب موارد ميكانيكية وهيكليّة وإلكترونية هائلة تتطلب سياسة خاصة، وكل ذلك يعتمد ضروريا على المعادن المستخلصة من الأرض، ويضاف إلى كل ذلك الكم الهائل من الطاقة الذي نحتاج إليه لأجل تحقيق كل ذلك…

والواقع هو أن كثيرا من المفكرين يطرح السؤال التالي: إلى أين نحن ذاهبون؟ هل سننهك باطن الكوكب بسرعة كبيرة باستخراج كل خيراته وبملء ظاهره بالخردة (في ظل الكم الضخم جدا من الأجهزة الفاسدة التي لا يتم تحويلها والتي لا نهتم كثيرا باستعادة صلاحيتها ولو جزئيا، لأن كل ذلك يتطلب نوعا من البحث لا أحد يريد العكوف عليه بسبب محدودية هامش الربح فيه).

بيويكس يصر كثيرا على أنه لدينا دائما خيار بيدنا، قبول الأزمة الحضارية التي تسببها التكنولوجيات العالية، أو التصرف بحكمة وتطوير ما يسميه “التكنولوجيات المنخفضة أوالرحيمة”، فإما أن نغير أساليب حياتنا وعادات استهلاكنا والسياسات التي نصوت لها على المستوى العالمي، أو نستعد للحرب.

يقترح بيهويكس مجموعة من الحلول تتمحور حول ردم هذه الفجوة المستقبلية الكبيرة من خلال العمل على “الطلب” ، وليس فقط على “العرض”. وتغيير منطق الجري المجنون صوب الربح، من خلال تطوير تقنية مختلفة يمكن رسم ملامحها بأنها تقنية منخفضة. الـ low-tech بديلا للــ  high-tech…وهو مفهوم ثوري يتطلب استعراضا متعمقا لنظام إدارة النفايات، وتصميم منتجات أبسط وذات تكنولوجيا منخفضة، ثم ضرورة الدعاية لها. كما أنه لا بد من تحديد دوائر المواد الزائدة عن الحاجة وعديمة الفائدة وكل ما يمكن إدراجه في دائرة التبذير، وكذا تطوير البحث العلمي في المواد القابلة للإصلاح أو القابلة لإعادة الاستخدام. وربما يسبق كل ذلك شيء أهم بكثير هو تغيير برمجتنا العقلية ، وتغيير مفهوم الحداثة، من خلال تربية مفاهيم جديدة مثل التركيز على جمال ما هو “قديم”.

المفكرون في هذا الأفق؛ وخاصة السياسيون الخضر أو المهتمون بالبيئة، يقترحون التركيز على تحديد الاحتياجات، وتصميم وإنتاج مستدام حقا، يركز على دوران المواد القاعدية، لا على تحويل كل شيء إلى فضلات غير صالحة للتدوير. إن المشروع السياسي الذي يفكر في هذا الأفق يحتاج إلى شجاعة كبرى. يحتاج مثلا إلى توجيه المعرفة إلى اقتصادٍ في الموارد لا اقتصاد مبني على الموارد، اقتصاد يرتكز على البحث عن التوازن بين الأداء وسهولة الاستخدام، وتحديد الآلات والأجهزة في حياتنا، وعقلنة الخدمات لأجل تحريرها من تبعية الأجهزة.

والكلمة المفتاحية في هذا الموضوع الحساس هي تربية ردود فعل استهلاكية جديدة، أو إعادة تأهيل البشرية لمواصلة العمل في إطار الانسجام مع الكوكب. إنسان مستعد للتحكم في نفسه أيضا، لا التحكم في المواد فقط.

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق