العمود

التفكير بصوت عال:هوامش تحقيق أدبي

هنالك ولع كبير بالأدب البوليسي. نوع أدبي منتعش دائما يحسب من القراء ما لا يحسبه اي نوع آخر. وهو نوع يكتبه الكتاب الكبار مثلما يكتبه من هم دونهم من كتاب المحطات وكتاب الورق الرخيص pulp fiction مثلما يسمون في أميركا.

في الجزائر لم نبق بمعزل عن هذه العادة، وأصبحت لدينا اليوم نصوص مشهودة انتشرت في التسعينيات نعبر عن المقاربة البوليسية للازمة؛ رواية تتحدث عن محقق “محايد” يتحرى بحثا عن الحقيقة التي يعد الإرهاب فيها محركا للحدث… من باب كون الإرهاب سببا كبيرا خطيرا لكل ما حدث ويحدث في التسعينات ومنذ تلك الفترة.

ما هو نظام التحقيق البوليسي/الأدبي يا ترى؟

وبتعبير آخر: كيف يعمل التحقيق داخل المسافة التي بين واقع جزائر التسعينات وبين أدبها الذي هو مرآتها…سيبدأ الناقد الأدبي بالاعتراض قائلا: الأدب البوليسي يسمى الأدب الأسود littérature noireبسبب ارتباطه بالجريمة والشرور التي هي أشياء تحب اللون الأسود، والأذواق لا تناقش (إلا في إطار التحقيق)… فكيف تطرحون أسئلة حول المرايا في الليل؟

ولكن المرايا في الليل تزداد فصاحة.

من قال هذا؟… لا أدري ولا يهم أن أدري.

الواقع هو أن المحقق التسعيني رجل وليد “النظام”…فكيف يحقق رجل هو صانع للحقيقة أو شاهد صامت على صناعتها؟

هل سيجد المحقق شيئا آخر عدا ما هو مبرمج للبحث عنه؟

الواقع أن أعمالا كالتي كتبها ياسمينة خضره نالت الرواج المنتظر في اللغة الفرنسية التي هي لغة جزء منها صانع لحقيقتنا التسعينية، صانع مجرم يحتفي بأعمال تصادق على عمله الإجرامي، والجزء الكبير المتبقي منها والمحتفي بالعمل هو جزء “قراء تُبّع” الذين يقرؤون بإيعاز من الميديا.

الروايات لم تلق الرواج نفسه حينما ترجمت.

لماذا لا ينجح المحقق الجزائري التسعيني (المحقق في جرائم الإرهاب في شكله القاعدي: ملتحون يقتلون أبرياء بجنون غير مبرر) بعد عودته من الفرنسية إلى العربية؟

الواقع هو أن قارئ الرواية البوليسية عامة ما ينجذب إلى السر. إلى ضرورة البحث عن الحقيقة المتخفية. والتحقيقات التسعينية تخضع لمصادرة السلطة على الحقيقة.

الرجل الذي طرح السؤال: “من يقتل من؟ ” قد مات هو أيضا. اسمه غير مذكور في التحقيق. تحفظات امنية.

وإذا كانت القبور – فلسفيا- تتكلم، فإن القبور في ظل الأنظمة الشمولية لا تملك الحق المطلق في الكلام. الجثث خاضعة لمصادرات أصحاب القرار.

يبدأ يوم المحقق في الأدبيات البوليسية الغربية بالبحث عن الأخبار في الهوامش، ويسير يوم المحقق المحلي تحت أوامر أصحاب القرار؛ هدفه هو الدفاع عن حقيقة معلومة، العمل على تثبيت حقيقة “رسمية” لا يملك المحقق (ومن ورائه الكاتب) الحق في مناقشتها.

عمل المحقق مع الجمهور هو طمس الحقيقة وليس البحث عنها.

الأكاديمي الذي يسكن كاتب المقال سيقول: بوليس من المادةاللغوية (ب.ل.س)…ومهانيها تدور حول اخفاء والتلاعب بالحقيقة وتغطية العقل ومناورة الحواس… اللباس غطاء يمنع “كشف” الجسد….وإبليس سمي هكذا لتلاعبه بعقولنا، والتلبيس تغطية الحقائق …

في الدول الشمولية ذات التاريخ الاستعماري يضاف مشكل عدم وجود الحق في الكلام بالنسبة “للأهالي”…الأهالي لا يجيدون الكلام، يبربرون ويبلبلون، رطانتهم غير جديرة بالمعنى… شكلهم غير جدير بالسطوع الكبير للحقيقة… ولهذا يصبح التحقيق كتما لصوت الناس الذين ربما يخمشون أنف الحقيقة… قد يجرحون الحقيقة “الرسمية”…

سيتكلم داخلي الفيصلون الحُمْرُ المعتادون…

كل واحد فينا يعاني منذ الولادة من ازدواجبة كبيرة في الشخصية، أما الأقل حظا منا؛ أقصد الفنانين، فيطورون الداء كثيرا ويصاب الواحد منا بتعدد في الشخصيات يجعل الحد الأدنى هو ثلاث شخصيات. بالنسبة لي أنا، أصبحت أتعرف داخلي على أربع أشخاص:

الكاتب الرسمي وتعرفه بابتسامته الرسمية. الشاعر وتعرفه بابتسامته اللامبالية التي لا تقيم حسابا لشيء. الفيلسوف وتعرفه بيقظته المزعجة وانتباهه للتفاصيل التي يغفلها الجميع. ثم الأكاديمي الجامعي الذي يتحرى في كل شيء باحثا عن “المنهج” الذي ننطق انطلاقا منه وباحثا عن مراجع لكل الأقوال من باب الأمانة العلمية.

الكاتب الرسمي سيسكت إزاء الجريمة لأنه يعلم أنها مشروع رواية جميلة.

الشاعر يفكر في كلمات سميكة بالقدر الكافي لتغطية الجثة ووضعها في صندوق السيارة الشعرية (كما يفعل القتلى دائما للتخلص من الجثة) لأجل رميها في بركة المجاز…في البركة؛ الجثة تغير وضعها فهي موجودة وغير موجودة.

الفيسلوف فهم القصة وهو يغير الموضوع باستعمال أقوال تحول القتل إلى نوع من الخطاب الفلسفي حول الحتميات والتاريخ وسلطة العادة والمحو الجسدي من الزاوية الانثروبولجية. استوقفه وجه المحقق …كان صفحة بيضاء مصفرة …على طريقة الورق “الرخيص”… الورود الصفراء جميلة تسر الناظرين والوجوه الصفراء تفوح منها رائحة الموت…نصفها مات بالقتل والنصف تقتله ذكريات الموت…

الأكاديمي وقف مع المحقق سائلا: ما هي المراجع التي اعتمدتموها للوصول إلى هذه النتائج؟

همس له المحقق سرا: خفض صوتك..هنالك أوامر وتعليمات فوقية. صمت الأكاديمي وانصرف لأنه يعرف جيدا هذه الأمور التي تخفى عن المقال الذي بين أيدينا.

إدغار آلا  بو (أحد الآباء الشرعيين للادب البوليسي) قال قولة شهيرة: إذا أردت إخفاء وثيقة عن محقق ما فضعها على المكتب أمام عينيه…سيكون ذلك هو المكان الذي لن ينتبه إليه ولن يبحث فيه أبدا.

حقائق تحقيقاتنا موضوعة بــ(ــلا)ــعناية على أرض المقال ولكن الكاتب/المحقق سيذهب بعيدا في البحث المجنون عن الحقيقة، تماما كما تعود أن يفعل…

 

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق