العمود

التفكير بصوت عال: الحداثة كما أراها

ليست الحداثة حربا إيديولوجية على وضع معين في عرفي الخاص، بل هي بعد صميمي في الأشياء، وأود هنا مشاركة القارئ بعض أفكاري حول رؤيتي للحداثة؛ أنا، الحداثي الشرس الذي يتشبث بقيم الدين، والذي يولع بالتراث، والذي يمازج بشكل سلس تماما بين المتنبي وأبي تمام وابن تيمية والمعتزلي وابن حزم وبين فولتير وكارل ماركس وهايديغير وكارل شميت وبيكاسو والسيرياليين…أنا نفسي؛ الكاتب الذي أدافع باستمرار عن القضية الفلسطينية وعن طارق رمضان ذي الميول الإخوانية، والذي لا يجد حرجا في كتابة رواية عن كارل ماركس، ولا في الاشتغال منذ ربع قرن أو أكثر على الخيال العلمي.

الفكرة الأولى التي لا بد من حضورها المستمر في الذهن هي أن الحداثة صفة صميمية قد تصيب الجزء وقد تصيب الكل، إلا أنها مثل كل شيء صميمي، تحسب إصابتها لجسد الثقافة كله سواء أأصابت الجسد كله أم أصابت عضوا منه فحسب، وإننا آنذاك لنرى الجسد كله يتداعى للإصابة الحداثية… فيسقط العنوان الحداثي ليقوم الجوهر الحداثي.

ملاحظة أخرى أصر عليها كثيرا هي عودة ذواتنا إلى الدائرة الحداثية. ربما ينقص ثقافتنا الشرقية الاهتمام بذوات جرت عادة العالم القديم الذي كثيرا ما استمر في حاضرنا الشرقي على قهر الذات، الذات التي تنتهي إلى أن نكون محور كل حركة في التاريخ وكل هزة حضارية. والواقع هو أن الذات مهما انفلتت من أقطارها المعهودة أو ذابت في سل سياسي وتاريخي يجرفها، فهي لا يمكنها الانفلات من أثقالها النفسية والاجتماعية والثقافية والتاريخي، لهذا علينا أن نتفهم عودة “الحداثة” إلى دائرة “الحادثة” بين الحين والآخر، أي خروجها من التنظير التصي إلى التاريخ، ليكون المعول عليه آنذاك هو ما تراه العين الحداثية وهي تعاين ما تراه. إن اللقاء الذي يتم بين الحداثة والحادثة لقاء يفترض أن يكون لقاء استثنائيا، يحمل جديدا، وإن كان هذا الجديد محدودا من حيث الكم والنوع.

كثيرا ما أكرر فكرة ضخ أفكار جديدة في الحياة، لأن استحداث موضوعة (un thème ) ما هو بحد ذاته شكل من أشكال الحداثة؛ حداثة التأسيس. لهذا فإيراد موضوعات ما مما يمكنه أن يكون موجود أو متناولا أو حتى مبتذلا لدى الآخرين، يحتفظ بالقيمة الحداثية، ولو كان هذا الحظ محدودا أو كانت هذه الحداثة غير صميمية بشكل ما.

إن الحداثة شديدة الارتباط بالوعي التاريخي، وإن كانت لها تاريخيتها الخاصة التي هي ركام من القطائع – كما يقول جياني فاتيمو- إلا أن هذا لا يخفي أمرا شديد الأهمية هو اهتمام الحداثة بالتأصيل، وبأن لا يساء فهم رغبتها في القطيعة التي هي في عرف الحداثيين فعل واع ينبني على هضم الموروث ثم تجاوزه، لا على القفز الاعتباطي على المراحل. نقول هذا الكلام و نحن نضع نصب العيون الرواسب السردية  المحيطة بنا، والتي توحي بالاتباعية للعين التي لا تفحص بتمحيص، وما ذلك إلا ظاهر اتباعي ينبغي ألا يخفي الإغارات الحداثية التي قد لا تكون صريحة وصاخبة تقفز إلى العين؛ الشيء الذي لا ينفيها.

إن هنالك تنوعا أكيدا في الرؤى الحداثية، لتصير هذه الحداثة شيكة غير منسجمة، وقد يبدو هذا الأمر محيرا بعض الشيء، وقد نجد حرجا أثناء محاولة اتخاذ موقف مما نكون بصدد قراءته أو التفكير فيه أو الدفاع عنه، وفي هذا الإطار نود التذكير بأن الحداثة هي أيضا نوع من “ثقافة التسامح”؛ فإحدى القيم الأكيدة والهامة في العرف الحداثي هي إشاعة فكرة التسامح وقبول الآخر، المختلف، المفارق، الخارج عن النمط؛ وهي مقولة ستستعملها الفلسفة ما بعد الحداثية تحت العنوان المعروف في فلسفة جاك ديريدا: “الاختلاف”… ينتج عن هذا الأمر أن الرؤى الحداثية مختلفة ومتنافرة الأذواق، متكاثرة الهواجس، وكل ذلك يحاول ترجمة تعدد الكتاب وكثرة زوايا النظر التي ينطقون انطلاقا منها.

فكرة مركزية اخرى عندنا هي التهجين الأسلوبي، فهو أحد العناصر التي نعول عليها بكثرة أثناء المرافعة دفاعا عن فكرتنا، ويتجلى هذا التهجين من خلال تشبع حياتنا بمختلف الوسائل الإعلامية و التعبيرية في القرن العشرين، وهي وسائل تحاول منتجاتنا الثقافية احتواءها وابتلاعها جمعاء، وذلك كله من حيث جوهره العميق لا يستطيع الخروج من دائرة ما هو انساني، فالحداثي إذا كان يعيش محاطا بأزمة معينة أو وضعا معطى فإنه من غير المنطقي أن يطالب، سواء تحت غطاء الحداثة أو تحت أغطية أخرى، أن يشيح بنظره عما يستولي على حواسه استيلاء كاملا تاما، وهذا ليس تضحية بالتماسك النظري كما قد يبدو في بعض الأحيان، بل هو واقعية علمية وفلسفية تنتهي إلى قبول النماذج التي لا تصدم مباشرة بطلائعيتها الصارخة كما قد عودنا على النظر عليها، بل تعمل بصمت وتؤدة وهدوء على استثمار عنصر صغير بسيط من عناصر الفكر والإبداع من أجل زلزلة قد لا تكون عالية على سلم الحداثة، إلا أن لها مفعولا أكيدا لن تعود الحياة بعده كما كانت أبدا.

هكذا أرى الحداثة.

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق