العمود

التفكير بصوت عال: الحراك الجزائري…وفعلية السياسة الافتراضية

كان السؤال الأول أيام انطلاق الحراك الجزائري هو: من يقف خلف كل هذا؟

من هم مسيرو الحراك؟

وانطلقت الآراء في كل اتجاه،

مع تفضيل معين للقراءة الأمنية التي تجعل المخابرات هي التي تعمل على تسيير الحراك، الشيء الذي جعل كثيرا من الفاعلين يتأخرون عن الخرجة الشعبية الأولى، وحتى عن الثانية.

الواقع هو أننا صرنا نعيش على إيقاع العالم الافتراضي. فقد تقتت واقعنا الفعلي، والناس كانوا في الحراك يصورون أفلاما حية ” live” يتقاسمها الناس بشكل حي ومباشر، وكان ذلك أهم ما كان يحدث، فالفعل الذي نقوم به إنما يكتسب قيمته من المشاركة في إطار واسع مع المبحرين المتصلين بشكل حي مباشر بعضهم مع بعض، وإلا فإن هنالك شيئا ناقصا؛ وبتعبير غريب آخر فإن الواقع في غياب البعد الافتراضي يصبح واقعا ضعيفا هشا مائعا، ولا تكسبه صلابته إلا الفضاءات الأثيرية للانترنت.

كيف وصلنا إلى هذا الوضع؟ وما مستقبل الحياة السياسية مثلا، بما أنها موضوعنا الملح منذ مدة ؟

الواقع هو أنه منذ بداية عام 2000 ، كانت الإنترنت تدرك حقيقة أنها تتقدم  بسرعة في الجزء المتقدم من الكرة الأرضية، وكان العالم الغربي في ذلك الوقت قد شرع في استخدام تسميات جديدة للمرحلة التاريخية التي كان يمر بها. نذكر جميعا أن النقاشات الواسعة حول جدوى الأنترنيت آنذاك قد ظلت تشكك في قدرة الإنترنت على إعادة تنظيم الحملات الانتخابية مثلا، وشككت – بشكل أوسع- في قدرة الانترنت على تفعيل الفكرة الديمقراطية.

على الرغم من أن هذه المزاعم المتفائلة قد تآكلت إلى حد كبير عن طريق البحث التجريبي في شبكة ويب الجيل الأول  Web 1.0 ثم مع الجيل الثاني Web 2.0الذي أثبت نجاعة كبيرة في الهدف الأسمى الذي هو اختزال كل قطاعات الحياة، بدءا من خدمات الاستعلامات والعمل المصرفي ومجال الملاحة الجوية والطيران، و خاصة الجانب الاقتصادي، وانتهاء بجميع مجالات الحياة.

لقد فتحت الأدوات الرقمية المتعلقة بالخدمات العامة للبيع والشراء آفاقا جديدة في تطوير الديمقراطية الإلكترونية وإعادة تنظيم الحملات الانتخابية مثلا كواحد من الأدوار السوسيولوجية وحتى الفلسفية لهذا الاختراع الذي كثيرا ما بدا للناس كأنه علبة سحرية اتت بأسرع مما كما نتوقع، وأنها أتتنا دون أن نعرف بالتحديد ماذا نفعل بها.

ولكن، على الرغم من هذه النجاعة المعترف بها من قبل الجميع لدور وسائل التواصل الاجتماعي، فإن اتجاه السياسيين ولوبيات المال والأعمال والشركات متعددة الجنسيات التي تبقى – سواء من قريب أو بعيد، سواء قل الأمر أم عظم- مسيطرة على عمل هذه الوسائل وعلى وضع قوانين لتأطيرها، قد سار في اتجاه معكوس لأحلام المصممين والمعلقين على هذه الوسائل… وهذا جانب غير بهيج علينا أن نتزود بالحذر منه، وهو جانب جاء بالموازاة مع توسع الاُمر لكي يشمل الناس أجمعين، فالانترنت وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي بأطيافها العديدة، وخاصة الفيسبوك، فضاء قد صار شعبيا مجانيا يشكل الكرة الرضية كلها منذ أعوام 2008/2009.

حري بنا فهم طريقة عمل العالم الذي نعيش فيه، وبعملية ربط صغيرة  للتواريخ، سنلاحظ أنه في 6 فبراير 2011، كتب متظاهرون 25 يناير المصريون على أرض ميدان التحرير بالقاهرة الكلمات التالية: “نحن رجال فيسبوك”. في رأي جميع الخبراء االمشتغلين على هذا الموضوع، استفاد المتمردون في العالم العربي في ربيع عام 2011 من دخولنا الجماعي في عصر الشبكات الاجتماعية. سمح لهم الأخير بتنظيم المظاهرات والتحايل على وسائل الإعلام لنشر الصور والشهادات وغيرها من الأدلة على انتهاكات الشرطة.

في وقت لاحق، في ضوء النتائج التراجيدية لبعض الحراكات وبعض الثورات المشهودة في العديد من البلدان ، بما في ذلك مصر وليبيا وسوريا، عاد الحرس القديم إلى الظهور، مدعيين أنه كان من السذاجة أن نعتقد أن العالم الافتراضي يمكن أن يكون لموقع Facebook تأثير طويل المدى على “الحياة الحقيقية”.

تلاحظ عالمة الاجتماع الأمريكية ذات الأصل التركي “زينب توفيكسي”، أن هنالك حدودًا ضيقة بين التمرد عبر الإنترنت وحركة الشارع. في كتابها “تويتر والقنابل المسيلة للدموع” “Twitter and Tear Gas” الصادر بجامعة ييل عكس ذلك تماما، فهي تعتبر التغيرات العميقة التي أحدثتها التقنيات الجديدة في طبيعة الحركات ذاتها هامة ونهائية وغير قابلة للرجوع الى الوراء. فقد عملت على تنظيم صفوف أصناف المتظاهرين، وخلق الرؤية الثورية وتأثيرها على المدى الطويل. وترى هي أن ما علينا الوقوف عليه وعنده هو نشأة سلطة فعلية تقول المؤلفة أنها فاعلة وفعالة وفعلية رغم الحصيلة التي تبدو سلبية عموما للثورات العربية. وهي سلطة علينا أن نحسب لها كل حساب في التاريخ العالمي القريب.

في ضوء كل هذا نفهم درجة التنظيم المحكم للحراك الجزائري، ونتوقع أن الحراك لم ينته بعد، وربما يكون الأهم أمانا ولم يأت بعد.

ننتظر بشغف وترقب.

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق