العمود

التفكير بصوت عال: العالم بعيون المرأة

فيصل الأحمر

أين تكمن هوية المرأة يا ترى؟
وهل ما يجعل المرأة امرأة هو جوانبها الطبيعية (البيولوجية) أم جوانبها الثقافية؟
بشكل آخر: هل ولدت المرأة امرأة أم أمها تحولت كذلك على مر الزمن؟
أسئلة خرجت في أوروبا من ميدان الجل الفلسفي لتدخل مؤخرا إلى ميدان التربية والتكوين… بمعنى أن ما يسمى بنظرية النوع théorie du genre قد أدرج في المنظومة التربوية في فرنسا ليصبح جزءا من الهندسة المجتمعية.
يصر النسويون (أن نقول : تصر النسويات!) على كون هوية المرأة أُوِلت اجتماعيا، وأن المرأة ذات هوية شاحبة مدفوعة للصمت لأن جوهرها لا يتضح من خلال صوتها الداخلي بل من خلال دورها الاجتماعي الخارجي كأم، وزوجة، ولا صوت لها ولا رغبات طبعا إلا إذا كان صوتا أو رغبة في أن تكون “أما” و “زوجة”.
ويعترف دارسو الجنوسة المدافعون عن ضرورة التوصل إلى تحديد “هوية” المرأة بعيدا عن وسائط التحديد الرجالية بعسر الأمر، فالعملية تكاد تكون مستحيلة لأن أدوات النظر والتمحيص والدرس كلها مدنسة بالرجل وذكوريته الطاغية.
من أجل البحث عن هوية المرأة في إطار منظور الاختلاف الجنسي يعود الدارسون إلى فلسفة هايدغير وتأملاته حول الوجود (Dasein) الذي يقول إنه حالة طاهرة لا يلمسها أي اعتبار مما هو ناتج عن مغامرة الوجود هذه، والعودة إلى هذه النقطة تطرح مشكلة أثارها دريدا من خلال بعض النصوص الشهيرة له حول “النسوية”؛ تلك هي التي يختزلها بالسؤال: كيف يمكننا التفكير في الجنسين كقطبين منفصلين في حين لا يعرّف أحدهما إلا من خلال الآخر؟ ثم كيف يمكننا أن نحيط بما هو أشمل منا، أو كيف تحيط اللغة واصفة بما هو من صميم تكوينها.(يراجع كتاب ديريدا: مهاميز؛ عن أساليب نيتشه: Jacques Derrida, Éperons. Les styles de Nietzsche, Paris, Flammarion, 1978.)…
وإذا كان الفلسفة والنسوية، يعتمدون كثيرا على الثقافة في الكشف عن مرتكزات قوية لادعاءاتهم الثورية، فإن النصوص الأدبية تأتي على رأس هذه العلامات الثقافية. تقول الباحثة المناضلة ألفة يوسف:«ألا تكتشف المرأة في أقصى الكتابة أن موضع الذكوري المتكلم الكاتب لا يجيبها عن سؤال ذاتها، فتنشئ كلاما مختلفا يحاول أن يكتب الأنوثة؟ هل من الصدفة أن تكون أكثر الشخصيات الأساسية في روايات المرأة نساء وأن يعمد جلهن إلى ضمير المتكلم… ألا تكتشف المرأة في أقصى الكتابة جرح الأنوثة الأصلي، وهو أن موضع المرأة النفسي ليس بإزاء الرجل بل بإزاء ما يسمى المرأة الأخرى (l’autre femme) تلك التي من المفروض أن تمتلك سمات الأنوثة المثالية، تلك التي تتساءل المرأة إزاءها دوما: أي شيء لا أملكه أنا تمتلكه هذه الأخرى المفترضة الكاملة جدا، الضائعة جدا؟ ألا يمكن لهذه الضائعة أن تحفر كلاما تسيطر عليه الكاتبة؟». (يوسف، ألفة :دراسة”بين اثنين L’entre –deux”؛ضمن كتاب ” ثنائية الكينونة ” لمجموعة من المؤلفات ، ص13.)
إن أحد أهم العناصر التي أرادت الحركة النسوية تحقيقها منذ أزيد من أربعين سنة هو إعادة صياغة العالم من منظور جديد، فقد أعيدت قراءة البنيات الأصلية الأولية المشكّلة للفكر الغربي (وكثيرا ما تم الوقوف لدى التماهي الظالم بين صفتي “الغربي” و “البشري” كتماه شديد الدلالة على ما تحاربه “النسوية”!) فاقترحت كريستيفا قراءة لتغلغل الفكر النسوي (والاعتبار “النسوي” في الخريطة السياسية/الاجتماعية في العالم، وقدمت الفيلسوفة لوس إيريغاراي اقتراحات من أجل علم أخلاق جديد في إطار الثنائية الجنسية…ثم كانت هنالك ميادين الاشتغال التي وسعت دائرتها لتشمل وجهة النظر النسوية، فأصبح هنالك نقد نسوي وسينما نسوية وأدب نسوي وفلسفة نسوية…إلخ.
من شأن كل هذا تشكيل متخيّل أنثوي من خلال التراكم والمد الزمني والنقش المتكرر المتواصل الدؤوب لأخلاقيات نسائية ووجهات نظر مفسرة للعالم (وأساسا نقش لنصوص، ونصوص روائية أيضا)…وجهات نظر قد تكون استعادة تفكيكية لعناصر الخطاب الذي تهدف “النسوية” إلى تقويضها وتعويضها بعناصر أخرى جديدة. تقول دوروتي سميث: «عندما نرى الرموز والصور النسائية والنساء تستعملنها وتلعبن بها وتهشمنها وتعارضنها، لا يبدو خطاب الأنوثة كبنية مسيّرة من قبل تراكيب صناعة المودة التي تتلاعب بالناس وكأنهم دمى، بل تبدو هذه الرموز وهذه الصور نظاما اجتماعيا تساهم فيه النساء بنشاط وكذا الرجال أحيانا. وهو نظام متطور يكشف عن نفسه شيئا فشيئا وباستمرار ».( تذكرها سارة ميلز في كتابها “الخطاب” ، منشورات مخبر الترجمة في الأدب واللسانيات، الجزائر، 2004،ص 73).
من هذه الزاوية بالذات يمكننا دخول باب الكتابات الروائية والإبداع النسائي عموما في الجزائر، باب الخطاب الذي يتناول عناصر سالفة الوجود متعاملا معها أو معالجا إياها من زاوية جديدة ومعطيا إياها ملمحا غير مألوف… ذلك الذي ربما يكون الحداثة، الحداثة الخاصة التي لم ولن يكون للرجل أن يعطي هذه الإبداعات ملمحها؛ لأنه رجل لا يستطيع احتلال الهوية الأنثوية التي قد تظهر من خلال كتابة نص درج الرجل على كتابته، ولكن ذلك يتم -لحسن الحظ ولحسن الحداثة- من زاوية لطيفة لم نألفها بسبب تقاليد الدرس والتدريس والدراسة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق