العمود

التفكير بصوت عال: العيون الفلسفية والنوافذ التاريخية

فيصل الأحمر

كثيرا ما يستوقفنا الحديث عن الثقافة العربية كموقع لاغتيال العقل من أجل تثبيت صورة مندمغة مفادها عدم استعداد هذه البقعة “سيئة الحظ” من العالم لأي نوع من أنواع التحضر، ولا يكفي لتبيان ذلك – حسب متبني هذه النظرة-  ما نراه اليوم من مظاهر التخلف، بل إن هذا المظهر الحالي تدعمه الأدلة التاريخية بقوة، وهل يوجد شيء أقوى من التاريخ للدلالة على الحاضر؟.

الفكرة ترتكز أساسا على رسم مسار تاريخي يتخذ بؤرة محددة من خلال رصد ظاهرة اضطهاد الثقافة العربية الإسلامية للعلماء على مر التاريخ، بشكل لا يركز على الظرف التاريخي الذي أدى إلى ظهور هدا الكم الكبير والغريب والمثير للاحترام من الفنانين والكتاب والمفكرين والفلاسفة والعلماء التطبيقيين ممن زلزلوا الأرضيات البائرة للمعرفة على زمنهم، وحركوا المياه الآسنة للعقول التي كانت مرتاحة في تقاليدها الفلسفية والجمالية، وإنما يتم التركيز حصريا على الظرف الاجتماعي والسياسي الذي تعامل معهم بشكل سلبي يصل في كثير من الأحيان إلى الاغتيال.

المشكلة في هذه الطريقة من التفكير هي أن التاريخ يصبح جزءا من السياسة وليس العكس. وفي هذا تحريف كبير لمنطق الأشياء، فالمنطق الصحيح يجعل السياسة جزءا صغيرا ومظهرا جزئيا من التاريخ لا العكس.

من الغريب أن تسمع آراء من قبيل ما يكتبه سامي الديب حول العجز الجوهري للثقافة الإسلامية عن صنع الأصوات الحرة وإنتاج الاتجاهات المخالفة للاتجاه الحاكم، لأننا منذ المهد الأول للثقافة المذكورة نشهد نشوء ثلاث فرق مختلفة حد التطاحن، اختلاف سببه في عرفنا الاستعداد الفطري للاختلاف الموجود في المصفوفة الاسلامية، وهو وجه “تأويلي” للفكر الإسلامي يشبه ما يشيد به المفكرون اليهود أثناء الحديث عن خصوصية الفكر اليهودي مثلا: قابلية التأويل المستمر للنص؛ الشيء الذي يمنحه إمكانية للتعالي المستمر على المعنى الزمني، وإمكانية حياة مستقبلية (يرنار هنري ليفي: وصية الرب Le Testament de Dieu- 1979، وكذلك كتابه روح اليهودية Esprit du Judaïsme – 2016…الخ الخ)

الظاهرة نفسها تتحول مع سامي الديب إلى وجه سلبي يخلق تناقضا جوهريا بين البعد التأويلي للنصوص البانية للثقافة الإسلامية وبين الاستعداد للتحضر أو للحركة في الزمن. وهي نظرة منتشرة عند جمهور معين من المثقفين ربما يكون أمين الزاوي أنموذجا فصيحا لهم.

والغريب هو أن صورة مشرقة مثل ابن رشد تتحول مع هذا المفكر المتطرف – بشكل كبير- إلى أنموذج قاتم؛ إذ أن ابن رشد – في عرفه-  يملك خطابا مزدوجا فيقول في كتاب شيئا ويقول في غيره شيئا آخر، وهذه أحادية اتجاه بائسة في التفكير تنكر أولا إمكانية تاريخية قد تمت معاينتها، وتدخل في إطار التفكير  الذي لا يمكننا الاعتماد عليه الذي هو النقض بالإنكار réfutation par négationnisme ، والإنكار بالإدعاء لا بالحجة.

الغريب في الأمر هو وجود مقولات تذهب بابن رشد بعيدا في إثبات بعده الفلسفي العميق؛ وأستحضر هنا الاسهام البديع للفيلسوف الالماني الهام Ernst Blochالذي كتب عام 1952 كتابه المجهول في الدائرة العربية  ابن سينا واليسار الأرسطي « Avicenne et la gauche aristotélicienne  ..وهو كتاب ذي ارضية فلسفية نظرية صارمة جدا، يذهب بلوخ من خلاله إلى ان الاشكالية التقليدية والمتجددة بين المادة والشكل (شكل الوجود) قد وجدت لها على يد المسلمين حلا متميزا، فيقول بأن فلاسفة عربا مثل ابن سينا ثم ابن رشد وبعدهما ابن جبيرول الأندلسي قد حلوا المشكلة من خلال فرضية الحلول التي تجعل المادة ثرية ومتحركة بقدر ما هي مكتملة لأن الله يحل فيها. لكي تصبح الصورة الثابتة الجامدة السكونية للوجود (كما ورثها ماركس ولينين عن قرون طويلة ورثتها عن أرسطو وأتباعه الكلاسيكيين) قابلة للتحول ولتقبل إمكانيات أخرى، ولاحتواء أشكال عديدة،وهو ما يحل المشكلة الماركسية الكبرى التي تمنع صنع تصور لليوطوبيا بناء على التفسير المادي للوجود.

ويمكننا التوقف قليلا  لدى كتاب الفيلسوف الألماني الكبير كورت فلاش Kurt Flasch “من ابن رشد إلى إيكهارت، في الأصول العربية للتصوف الألماني  D’Averroès à Maître Eckhart, Les sources « arabes »  de la mystique allemande ، وهو كتاب يتجاوز العرض التاريخي للتأثير والتأثر بين ابن رشد والاتجاهات الفلسفية الأوروبية اللاحقة لمرحلته، لكي يطرح السؤال الشائك حول: كيف يمكننا فهم المثالية الألمانية بالارتكاز على حبل الصلة التقليدي الذي يربط الفلسفة الأوروبية بالسلف الاغريقي الروماني ؟ مجيبا بان التفسير لا يظهر إلا متى أدرجنا مبحثا جديدا تم إخفاؤه بإصرار كبير؛ هو مبحث الأصول العربية الإسلامية لهذه المثالية.

وهي الصور نفسها التي تظهر من خلال مؤلفات ربما لا تخطف الأنظار مثلما تفعل مؤلفات سامي الديب التي علينا أن نتساءل حول خطفها للأنظار، وهل مبرراتها علمية؟ وهل ان ما فيها أكثر علمية مما حوته الموسوعة العجيبة التي اشر ف عليها كل من عبد الوهاب مدب وبنجامين سطورا ” تاريخ الصلات بين المسلمين واليهود على مر العصور

Histoire des relations entre juifs et musulmans des origines à nos jours, Paris, Albin

Michel, 2013

أو ما يمكن أن نستشفه من الكتاب الشهير لمالك شبل : المعجم العاشق للإسلام dictionnaire amoureux de l’islam , plon,2004

والأمثلة كثيرة في الحقيقة يهمنا من إيرادها تبيان ان فكرة منتشرة ما حول الإسلام تغرق التاريخي في الواقعي، وتوسع دائرة الحكم الناتجة عن ظرف عابر لكي تشمل كل دوائر الحكم الممكنة ليصبح العابر قارا ويتحول العرضي إلى جوهري.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق