العمود

التفكير بصوت عال: الكاتب الكبير … والحراك

يشعر الكاتب الكبير بحرج كبير منذ مدة.

لقد خلط الحراك الديمقراطي الشعبي أوراقه كلها. أصابه أول الأمر حرج كبير من الهاتف…هاتفه مليء بأرقام العصابة. وتساءل: ماذا لو تغلب الرعاع؟ فكثيرا ما يتغلب الرعاع في التاريخ فيبنون دولا جديدة. كتب منشورا حول سبارتاكوس، فكر قليلا ثم قرر كتابة منشور حول ثورة الزنج. فكر أكثر ثم خشي أن يتم ربط منشوره مع أحداث السودان التي فيها حراك يشبه حراك الجزائر.

انتهى إلى كتابة منشور حول الحنين إلى وجه امرأة في الماضي. نشره رفقة صورة فيها امرأة بلباس خفيف تمشي بمطرية تحت مطر يغلب عليه اللون البرتقالي. ككل مرة في حياته اختار الخيار الآمن.

قالت له زوجته الهادئة بطبعها: منشورك جميل. شكرها دون حرارة. ابتسمت دون حرارة.

القاعدة التي تعلمك اياها السنين هي أن تقول كل شيء دون أن تنطق بأي شيء، فإذا تأزمت الأمور كثيرا كما هي الحال مع الحراك فإنه عليك ألا تقول أي شيء على الإطلاق…وهنا يصبح اختيار الموضوعات فنا حساسا جدا، وهاما للغاية.

الدخول الجديد يتربص به وعليه أن يكتب رواية والحراك لا زال مستمرا، لا أصدقاؤه في الجهاز الحاكم تغلبوا ولا الشعب الذي يكرهه ويحتقر ما يمثله من سوقية مقيتة وذوق منحط وغوغائية مقرفة أظهر انتصارا واضحا. المشهد مغبش والرؤية غير واضحة تماما.

الكاتب الكبير يحب الكاميرا، يتكلم جيدا، ويكره عدم وضوح الرؤية.

تمنى في دخيلته أن يبلغ الحراك نقطة واضحة: يتغلب الشارع أو يتغلب النظام القديم. النظام القديم صديق له تعود موائده وأمواله الكثيرة وأعطياته الكريمة جدا… والشارع غبي ومليء بالعاطفة، والكاتب الكبير طبيب ممتاز للمشاعر. له دوما علب الكلمات الجميلة لكي يعالج مسائل العاطفة.

لو أن الحراك قد انتهى بالظفر على النظام لكان قد أخرج صوره التي راكمها في الحراك.

يخرج الكاتب الكبير كل جمعة إلى الشارع في العاصمة لأخذ صور تحت عنوان “الحذر مطلوب… قد يتغلب الزنج…” في دخيلته تتكلم الثقافة الفرنسية التي هو مغموس فيها مغرم بها وليس مستعدا لتغييرها: ” الأكثر ذكاء هو الذي يحافظ على الصلة الجيدة بالجاكوبيين وبالجيرونديين على حد سواء”…

يخرج إلى المسيرة وكله هواجس وهو يفكر في العدد الكبير من أصدقائه وممن له معهم عشرات الصور الحميمية والذين هم في سجن “الحراش” حاليا…

يسير في شارع الحراك هاتفا: تسقط العصابة ولكن دموعه تسقط وهو يتذكر أفراد العصابة؛ أولئك المثقفين العارفين بالفن والثقافة الرفيعة أصحاب الذوق العالي… يا له من عالم فاسد عديم الرحمة… سي السعيد…سي علي…سي محمد…سي عمار… دكتور جمال…سي التوفيق…سي اعمر…كلهم في السجن…ما هذا العالم؟

يأخذ الكاتب الكبير صورا شديدة الحذر…يتذكر النكتة الجادة جدا التي قالها له العقيد سمير وهو يأكل معه طبق السيبيا بالصلصة الحمراء والحبق في مطعم Sauveur ليبين له بطريقته الذكية المعتادة ما عليه فعله: “راك عارف الشيخ…مد يدك لا تلمس…إلمس ولا تمسك…أمسك ولا تتكئ…تكلم لا تقل شيئا… عبر عن رأيك بدون تفاصيل… اجعل ماكياج الحديث أهم من وجهه”…تذكر جيدا تنكيت العقيد وهو يتلمظ متذوقا نبيذ  معسكر الذي لا مثيل له في العالم: “في الصورة التي تأخذها في الحراك حذار من التاءات الثلاث: تعبير مسيء بالهيئة الحاكمة، تصوير الملتحين والمعارف الذين تسافر صورهم بسرعة، تزكية أي شعار بإظهاره أو السماح بظهوره على الصورة”…

كان الرعب الكبير الذي يصيبه مساء كل جمعة هو أن يتم صلبه معنويا من قبل المعجبين بأخذ صورة لا يوافق عليها (ألم يتم صلب المسيح مساء يوم الجمعة؟).

…ماذا يفعل حينها؟

المعجبون مشكله كبرى..ومن الصعب التحكم فيهم … يخرجون لك من حيث لا تتوقع تماما…

الصورة النموذجية هي التي يظهر فيها وجهه ووجه زوجته الملائكي بابتسامتيهما اللتين تدربتا جيدا على إخفاء تعبير “معرفة من أين تؤكل الكتف” لإظهار تعبير “البراءة على طريقة المسلسلات التركية”…

تركيا…

ممتاز تركيا حل ممتاز للسفر الأدبي في المرحلة المقبلة. الإمارات العربية المتحدة مذكورة بشكل مقرف في الشارع الجزائري، وعليه تجنب الدعاية الواسعة لأنشطته الإماراتية جزيلة العطاء، سوف يذهب إلى تركيا. تركيا رائعة: صورة لمسجد وصورة لشارع نظيف وثالثة لساحة مليئة بالسياح ذوي الألبسة الأوروبية العادية…اليوطوبيا الإسلامية الحديثة. بغداد المأمون في القرن الحادي والعشرين.

نموذج غير مزعج له ومحبوب في لاوعي الحراك ومقبول عموما في بلدان “الإسلام”…إسلام يبدو أنه صعب عليه تماما التعايش مع الذوق الرفيع، مع الفنون الجميلة، مع الفنون الاستعراضية، مع الشراب المتميز، مع النظافة، مع الوفرة المالية ومع الحياة الطبقية التي يعشقها من أعمق نقطة يسارية تنبض داخله.

تركيا نعم. سيذهب إلى تركيا لتقديم روايته الجديدة. وسيجتهد لكي يجد صلة بين الثورات العربية أو الحراك الجزائري وبين محتوى روايته الجديدة التي موضوعها إنقاذ الفيل الوحيد المتبقي على جزر  الماركيز، والذي يتهدده مرض فيروسي خطير.

“- كيف يمكن ربط هذا كله بالحراك؟” قالها بصوت خافت فيما كان يعتقد نفسه بمفرده في غرفة الاستقبال. فأجابته زوجته بوجه الذئبة الحاضن للابتسامة البريئة:

  • لا خوف عليك يا زعيم… أنت كالقط تقع واقفا دائما .

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق