العمود

التفكير بصوت عال: الكتب مرايا الحياة

قديما كان أفضل الناس وهم الأنبياء ينتظرون مجيء الكتب من السماء، ولأجل تمام ذلك السيناريو الرائع كانوا ينتظرون مجيء الوحي، فقد كان الكتاب كلام الله الآتي من السماء، إلا أن الكتب قد غيرت مساراتها، فقد صار الصوت الآتي بالكتب من السماء بنفس أهمية الإله، وصار الوحي حيلة لدى لشعراء الذين طردهم أفلاطون والنخب الإغريقية من الجمهورية بسبب عدم وضوح كتبهم وبسبب مسافة رفضوا التضحية بها بين الكتب “السماوية” والكتب “الأرضية”…

الزمن عند أهل الكتاب يسير عكس اتجاه رقاص الساعة التي لا يعترف بها أهل الكتاب لأنهم يعدون فناء الزمن الأرضي بدايةً، ويعدون حلول الكوارث التي تبشر بها الكتب السماوية بداية لحلول الملكوت الإلهي (الزمن الإلهي)…فالزمن عملية فساد ينقضي شيئا فشيئا تمهيدا للزمن الصالح الطيب، زمن الإله الكامل…

ما حدث بعد توقف الرسائل السماوية هو أن أناسا متميزين خلطوا بين النبوة القديمة وبين الشعر. الرابط بينهما طبعا هو ” الوحي”، فقد انتقل مقر سكنى الكتاب من الأنبياء إلى الشعراء والكتاب عموما على متن الوحي. الوحي هو طريقة ظهور الكلمات والجمل والمعاني التي يتم ترتيبها ورصفها في كتب (الترتيب والرصف هما المعنى اللغوي الرئيسي للفعل “كتب”).

يستوقف فعل “الوحي” هذا الفيلسوف الفرنسي فلاديمير يانكيليفيتش بجانبه الغامض:  فالوحي مهدد على جبهتين: من جانب يتم إرهاقه من خلال تمثيلات دينية تجعله أمرا متعاليا أو نفحة من السماء؛ ومن الجانب الآخر يتم اختراقه وإفساده من قبل ادعاء العبقرية الرومانسية، التي تنكر تبعات المهنة والتي تبشر دوما بعمل هاو لا ينضج أبدا.

يبدو أن نشأة الكتب كممارسة مجتمعية لدى الإغريق هي قفزة كبيرة في التاريخ الذي كان واقعا تحت سطوة الأصوات التي تملك الحق في الكلام…أصوات/ كتب مثلما هي حال أبطال رواية برادبوري “فهرنهايت 451” الذين يثورون على النظام الشمولي المتهيب من الكتب… ففي نهاية الكتاب نكتشف أن الثوار قد قرروا المحافظة على الكتب بعيدا عن ألسنة اللهب التي تهدد الكتب بالحرق (الكتب تنتفي تماما عند درجة اللهيب 451 درجة فهرنهايت؛ وهو تفسير العنوان) من خلال حفظ الكتب عن ظهر قلب، فكل إنسان يصبح كتابا..

لدى الإغريق أصبح الفلاسفة كتبا تنتشر، فيما الكتّاب ينسحبون من الفضاء العمومي؛ وهو ما حدث لديمقريطس الذي فضل بناء كوخ في الغابة يلجأ إليه فيما التلامذة والقراء من نبلاء القوم يتناقلون كتبه التي تبشر بالمادية قاطعة شوطا تاريخيا كبيرا بين الصوت الإلهي (الذي سيحاول استحضاره أفلاطون؛ عدو ديمقريطس الذي أراد حرق كتبه) والصوت البشري الذي سينقله في الجيل الموالي أرسطو تلميذ أفلاطون الذي سيسترجع في كتبه الكثير من أفكار ديمقريطس.

في كثير من الأحيان تعمل الكتب على جر الحقيقة الخيالية إلى الواقع، كفكرة قاعدية سنقول إن الهدف الأساسي للكتب هو إنشاء تعليقات حول الحياة (حسب المسار النيتشوي)، أو سنقول بالتعبير السياسي بأن الكتب تضخ افكارا جديدة في واقعنا.

بعض الكتب (وخلفها بعض الكتاب) تتلاعب بهذا الحد بين الخيال والواقع. مبكرا وقف ميغول دي سيرفانتيس على الأثر السلبي للكتب على الحياة. كانت علاقة دون كيخوت المرضية بالكتب مانعا كبيرا للدخول في حياة غزت كل القطاعات عدا دماغ هذا الرجل الذي يجد جدوى وجوده كلها في محاربة طواحين الهواء والتولع بامرأة غير مبالية به والحديث إلى خادم ذي وعي عميق بالحياة وبمفعول الكتب القاتل.

هل تجمع الكتب أشتات الإنسان كما نظر إليها العرب قديما (الفعل “كتب” عند العرب للخط والتسطير، ولكنه للتجميع أيضا ومنه تسمية الكتيبة بذلك الاسم) أم أنها تفرقها؟

الكتب تصنع شتاتا من خلال اللعب بالكلام، لعب نمارسه فيذهب بالكلمات في زحام الأيام والمثل الفرنسي الجميل يقول  “les paroles s’envolent, les écrits restent ” …وفي الأخير لا نجد من بقايا على أديم الأيام إلا الكتب. الكتب دوما وأبدا.

هل تغير الكتب المكاتيب (بحكم كون هذه من تلك) أم أنها تكتفي برسم وجهها وتسجيل صوتها الجهوري الذي يتربص به النسيان؟ الكاتب الفرنسي رومان غاري خاض تجربة غريبة؛ فبعدما بلغ أعلى درجات المجد بدأ الملل بتسرب إلى روحه وإلى قلمه، ولكنه كان قد تورط في حياة سياسية مجتمعية ثقافية اثقلته فاخترع شخصية أدبية هي مؤلف جديد لكتبه، كاتب اسمه “إيميل آجار”، وحدث المحظور غير المتوقع فقد فازت رواية إيميل آجار “حياتك تقتبلك” بجائزة الغونكور التي كان قد فاز بها رومان غاري قبل ذلك بربع قرن (جائزة من قوانينها أن الكاتب لا يحصل عليها إلا مرة واحدة)…أثار الأمر جلبة كبيرة في فرنسا انتهت بانتقام غاري من أعدائه الذين كانوا يتهمونه بجفاف القريحة، وبتأمل كبير حول أحكامنا حول الكتاب والكاتب والصلة المعقدة بين الحياة والكتب.

صلة معقدة تقترح علينا التأمل في أعمق قناعاتنا، إلى درجة أن النظر المعمق في الكتب قد يجعلنا نكتشف حقائق سيكون أفضل لو نجهلها؛ سنكتشف أن هابرماس قد انتمى شابا إلى الأشبال الهتلريين، وأن هاديغير كان مولعا بالنازية، وقد يصدمنا انتماء بول ريكور إلى شبيبة كان يكونها الجنرال الخائن “بيتان”، كما سيزعزع قناعاتنا الثقافية كون سيغموند فرويد معجبا جدا بموسيليني. يا للهول!

 

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق