العمود

التفكير بصوت عال: تنويعات حول الديمقراطية

تحت قبعة تشي غيفارا

يبدأ الزمن الديمقراطي من مرحلة معرفة من نحن، وماذا نريد أن نفعل. لا تصلح الديمقراطية مشروعا مغلفا يأتي في العلب لكي يستفز أناسا لا يشعرون بالغضاضة من وضعهم أو أناسا يرفضون الحلم بعالم آخر.

كانت تلك هي الملاحظة التي أبداها تشي غيفارا حينما زار إفريقيا لأجل الدعاية لفكرته الثورية فلاحظ أن الأفارقة متعايشون سلميا مع العنت التاريخي المسلط عليهم…وتساءل عن السر الذي يجعل اللاتين في أميركا أكثر حرارة للفكرة الثورية الرافضة لاستغلال الأمريكان لثرواتهم المحلية من خلال دعم حكام ومسؤولين كبار موالين لهم خونة لأوطانهم.

ملاحظة غير بعيدة أبداها الفيلسوف الكبير شيخ أنتا ديوب حينما قدم في الجامعات العالمية  اطروحته الأنثروبولوجية الهامة حول الأصول الافريقية للعالم، وقد انتهى بسلسلة محاضرات في الجامعات الافريقية – في السنيغال؛ بلده الخاص، أساسا- حيث وجد انتقادات كثيرة لأطروحته، ووجد معارضة شرسة لأفكاره التي رحب بها الجمهور العلمي في أميركا مثلا… كان تأمله المرير هو: يبدو أن الإفريقي ليس مستعدا نفسيا لمسؤولية تاريخية كأن يكتشف بأنه هو أبو البشرية. الإفريقي لا يرى لنفسه قادرا على اكتساب كل هذا الحجم من الأهمية. هذا هو الإفريقي. في المطلق، يعد الاكتفاء بالتخلف كقدر محتوم هو العدو الأكبر للحلم الديمقراطي.

في عيادة فرحات عباس

في كتابه المبكر “الجزائري الشاب” كتب فرحات عباس حول مسألة هامة هي جغرافية الحوار الحضاري في إطار تصور المواقع لدى المستعمر الذي يحاور المستعمر(بالفتح) مع اصرار على أن يكون هو في موقع محاور مستعلٍ على الذي يحاوره، ويرى فرحات عباس قبل إدورد سعيد بخمسين سنة كاملة أن هذا الوضع يشكل خللا خطابيا معينا.

ويعاني التفكير الديمقراطي في مفهومه من صعوبة خلق رؤية للعالم في ظل التناقض العميق الذي يسكن عقل الشرقي أو الافريقي الذي يدرس مبادئ نبيلة أكثر مما يجب في الجامعات والكتب الغربية قبل أن يعود إلى واقعه فيجده واقعا يناقض كل ما تعلمه…

لهذا فإن على النخب الشرقية والعالمثالثية أن تنتظر مرحلة التحرر من الاستعمار لكي تتمكن من الحديث عن الديمقراطية، وكي يركزوا على النضال في إطار الحريات الفردية، وتحقيق الإصلاحات السياسية، وكي ينخرطوا بطرق تنم عن كثير من الذكاء صوب الحركة في إطار المجتمع المدني الديمقراطي الراغب في تحقيق حلم الدخول الايجابي في عصر الحداثة السياسية. في هذا الإطار يمكننا فهم مبدأ هام جدا عبر عنه الكاتب الهام “كاتب ياسين” وهو يصف اللغة الفرنسية بغنيمة الحرب؛ بمعنى أنها ثروة تغير موقعها فتثري من يحصل عليها؛ وهو جوهر مفهوم  الغنيمة… ولكننا لا نستطيع في هذا الإطار التغاضي عن فكرة قد يكون فيها تمهيد لهذا المبدأ هي فكرة لفرحات عباس مرة أخرى اذ يقول: سوف استعمل اللغة الفرنسية مع الفرنسيين لكي أعلمهم درسا من جزائريا.

في مكتب محمد أركون

مما ورد من ملاحظات حول عسر تعاطي الديمقراطية في عالمنا “اﻧﻪ ﻻ يمكن أن ﺗﻮﺟﺪ ديمقراﻃﻴﺔ ﺣﻘﻴﻘﻴﺔ دون إن تحصل  اجتماﻌﺎت وﻣﻨﺎﻗﺸﺎت ﻣﻔﺘﻮﺣﺔ، ﺣﺮة، ﺧﺼﺒﺔ، ﻧﻘﺪﻳﺔ وأﺧﻼﻓﻴﺔ، وﻻ يمكن لهذه المناﻗﺸﺎت أن تحقق اﻟﻐﺎﻳﺎت اﻹﻧﺴﺎﻧﻴﺔ اﻟﺮﻓﻴﻌﺔ ﻟﻠﺪيمقراﻃﻴﺔ إذا لم ﺗﺪﺧﻞ اﻟﺘﺴﺎؤل اﻟﻔﻠﺴﻔﻲ” (محمد أرﻛﻮن: اﻟﻔﻜﺮ اﻷﺻﻮلي واﺳﺘﺤﺎﻟﺔ التأﺻﻴﻞ) .

في نقاشات الساحة الفرنسية السياسية في السنوات الأخيرة  عادت الإشكالية القديمة التي تجد التعقيد كله في ظلال المصطلح  إن الكلمة الغامضة، التي تفرض نفسها في (الديمقراطية) المطلقة وتعارض بشكل مباشر المصطلحات التي تحدد الأنظمة الاستبدادية، تميل الديمقراطية أكثر فأكثر – بمشتقاتها، والصفة الديمقراطية على وجه الخصوص – إلى الانتقال من مذهب إلى مذهب، بل من طريقة في العيش وفي تمثل الأدوار السياسية في المجتمع. الهدف الأساسي الذي اتضح كنتيجة للجدل المذكور أو القيمة” المجتمعية المأمولة”  من توصيف التعبير عن “قيمة جيدة”، في السياسة ولكن أيضا في مجالات أخرى. يمكن تسليط الضوء على هذه القيمة البديهية المهيمنة، في إطار نظري ناتج عن نظرية الجدال في اللغة  بقدر ما تظهر من خلال التجارب الديمقراطية التي افرزها التاريخ، من خلال التسلسلات الخطابية التي تكشف، بغض النظر عن النقاش، عن المطالبة بموقف يسمى “الديمقراطية” هو نوع من الضرورة الفئوية وشرط مسبق للحجة التي تجد لها مرجعا نهائيا في التجربة الاجتماعية دائما.

فيصل الأحمر

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق